عندما تقف مجتمعات بأكملها أسيرة لنص وُلد في ظروف نزاع قبلي قبل أربعة عشر قرناً، لتتخذه عدسة وحيدة تقرأ من خلالها العالم المعاصر، فإننا لا نكون أمام حالة إيمانية، بل أمام حالة مرضية من الاستلاب الذهني والارتياب الوجودي.
آية «وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ» لم تعد مجرد وثيقة تاريخية، بل تحولت في الوعي الجمعي إلى جدار عازل، وفيتو أمني ونفسي يُعطل إمكانية نشوء أي عقد اجتماعي، ويُنتج خطاباً يعيش عالة على ديمقراطيات الدول العلمانية ثم يطعنها من الخلف بسكين النص.
جغرافيا النص وعقدة الاستتباع الوهمية
لفهم هذا المأزق، لا بد من وضع النص تحت مشرط التحقيق التاريخي، لنزع هالة القداسة الكونية عنه وإعادته إلى حجمه الحقيقي كـ «ورقة تغطية» لفشل سياسي ذريع.
قدم محمد إلى يثرب وهو يراهن بوضوح على شرعنة دعوته عبر استقطاب يهود المدينة ومسيحيي نجران؛ فاستقبل قبلتهم نحو بيت المقدس لستة عشر شهراً، وصام عاشوراء، واستلهم قصصهم التوراتية كجسور عبور. وعندما اصطدم هذا الرهان بصخرة الرفض اللاهوتي الحاسم، وتم تحويل القبلة إلى مكة إيذاناً بالقطيعة، جاءت هذه الآية لتغلق الباب.
إنها ليست كشفاً ربانياً لطبائع الأمم، بل صياغة دفاعية لسقوط رهان الاندماج، حوّلتها المنظومة لاحقاً إلى تشريع أبدي للعداء لتبرير عجزها المبكر عن انتزاع اعتراف الآخر.
وفي محاولة هذا النص اختراع جبهة عدو وهمية، وقع في مغالطة تاريخية ولاهوتية فاضحة بدمجه «اليهود والنصارى» في سلة واحدة، مصوراً إياهم ككتلة متطابقة تسعى لهدف واحد هو إدخال المسلمين في ملتهم.
هذا الخطاب يجهل بشكل مذهل أن اليهودية ديانة قومية إثنية مغلقة وغير تبشيرية أصلاً؛ فاليهودي التوراتي لا يسعى لدعوة أحد، ويضع شروطاً تعجيزية أمام من يطلب التهود. اتهام اليهود بأنهم لن يرضوا حتى تُتبع ملتهم هو تزوير فج لدوافع الخصم لاختراع دافع استتباعي وهمي؛ فالخصم لم يرفض محمداً طمعاً في استتباعه، بل رفضاً لادعاءاته التي تنسخ عهدهم.
ولو كان هذا النص صادراً عن إله محيط بالكون، فكيف سقطت من وعيه ديانات كبرى كالهندوسية والبوذية التي كانت تحتضن مئات الملايين؟
إن اختزال التحدي العقائدي في محيط الجغرافيا التي تحركت فيها قوافل قريش، هو البصمة الدامغة لمحدودية الأفق.
المرايا المقلوبة ومقصلة حرية الضمير
لا يقف الخلل عند حدود الجغرافيا والتاريخ، بل يغوص في أعمق حالات الإسقاط النفسي.
فالمنظومة التي تعيب على الآخر أنه لن يرضى حتى تُتبع ملته، هي ذاتها التي ترفض أي وجود متكافئ للآخر، وتعلن عقائدياً أن «الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» ولن يُقبل غيره. ولم تكتفِ بالجانب العقائدي، بل قننت الإخضاع العسكري وفرضت ضريبة الإذلال عبر تشريع الجزية «عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ».
فكيف لمنظومة تقنن مصادرة سيادة الآخرين وإذلالهم، أن تتباكى وتشتكي من أنهم يفضلون لو اتبع ملتهم؟
وتتجلى الفضيحة الأخلاقية الكبرى في ازدواجية المعيار تجاه حرية الضمير؛ إذ يصرخ الخطاب محذراً من مؤامرات سلب المسلم هويته، بينما تقنن المنظومة ذاتها «الإعدام الفوري» لكل من يمارس حقه الإنساني في تغيير معتقده.
المرتد في الفقه الإسلامي لا تُقبل منه جزية، بل دمه هدر بإجماع قطعي، أسس له النص التأسيسي المطلق: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وأكده إجماع الصحابة والفقهاء الذي وثقه ابن قدامة في موسوعة "المغني”.
منظومة ترتعد نشوة، وتجند وسائل الإعلام، وترصد الميزانيات لاحتفال ساذج بدخول شخص غربي في الإسلام لتسكين عقدة النقص الحضارية، بينما تمسك السيف لقطع رقبة كل من يغادرها؛ هي منظومة فقدت أي حق أخلاقي في التحدث عن حرية المعتقد أو الشكوى من تبشير الآخرين.
صناعة الطابور الخامس والتأصيل الأكاديمي للارتياب
وعند اصطدام هذا التراث المرعب بالواقع المعاصر، لا تتراجع المنظومة خطوة للوراء، بل تندفع لتأصيل هذا الارتياب بكل أدواتها الشعبوية والأكاديمية، في مشهد يقطع الطريق على أي محاولة حقيقية للاندماج. يبرز أولاً المشهد الكوميدي للإسقاط الزمني الرخيص، حيث يتعمد دعاة شعبويون حشر مفاهيم الدولة الحديثة في نص قروسطي.
يصرح أحدهم، "الدكتور فرحان عبيد"، أن الآية تعني التحذير من إلغاء الشريعة، وتغيير المناهج، والتطبيع، وخروج النساء بلا حجاب، وبيع الخمور. هذا الهذيان يتجاهل أن الخمور كانت تُصنع وتُشرب في قلب يثرب لسنوات طويلة، ويتناسى أن الحجاب في صدر الإسلام كان زياً طبقياً لتمييز الحرائر عن الإماء، حيث كان عمر بن الخطاب يضرب الجواري المقنعات لئلا يتشبهن بالحرائر، ولم يكن يوماً رمزاً لاهوتياً يتوقف عليه رضا الحاخامات.
ولئلا يُظن أن هذا التوظيف مجرد فلتة شعبوية، تتدخل المؤسسة الأكاديمية الرسمية لتغلق باب الاجتهاد بالضبة والمفتاح.
فبينما قد يأمل البعض في قراءة تاريخية تحصر الآية في زمن النبي، يخرج أكاديميون ووزراء أوقاف، كالدكتور نايف العجمي، ليعتبروا القول بأن الآية خاصة برسول الله ولا تسري على الأمة بأنه «قول باطل». مستنداً إلى القاعدة الأصولية المطلقة بأن العبرة بعموم اللفظ، يستدعي العجمي آيات أخرى ليؤكد أن العداء لليهود والنصارى هو تشريع مستمر وممتد. هذا التأصيل الأكاديمي للارتياب يمثل رصاصة الرحمة على أي محاولة لترويض النص؛ فالمنظومة الرسمية ترفض بشراسة أن تعيش في الحاضر، وتصر على أن يحمل الطفل المسلم في الغرب نفس العقدة القبلية التي سادت في القرن السابع.
تعليق حول معنى قوله تعالى: «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم». https://t.co/EViGa6WKW1
— الدكتور نايف العجمي (@Dralajmey) December 28, 2018
غير أن النسخة الأشد خطورة وخبثاً من هذا التأصيل، هي ما صاغته أيقونة التفسير الشعبي الشيخ محمد متولي الشعراوي، حين فرّغ مفهوم «التعايش» من أي محتوى أخلاقي أو إنساني، ليحيله إلى مجرد تكتيك سياسي وحالة من حالات «التقية» في فترات الضعف.
لا يطرح الشعراوي التعايش كفضيلة، بل يشرح ببرود أن حقبة معاهدات محمد الأولى مع يهود يثرب كانت مجرد «تعايش» اضطراري، مفسراً إياه بأنه احتمال لقوالب الأفعال في الظاهر دون «حب قلب»، لأن محمداً لم يكن ليفعل ما يرضيهم أصلاً. وعندما امتلك القوة وتغيرت موازين القوى بانقلاب القبلة، جاءت الآية لتُسقط وهم الرضا وتنهي مسرحية الاسترضاء. ويستنتج الشعراوي متباهياً: إذا كان هذا هو الخطاب التحذيري الصارم الموجه للنبي نفسه، فكيف بالمسلم العادي؟
قال تعالى : " ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى " الشيخ محمد الشعرواي يرحمه الله. https://t.co/1kVxx2gWKM
— الأكثر تأثيرا (@ArabicBest) September 18, 2017
بهذا التفسير المرجعي، يعترف الخطاب السائد أن ما يُسوّقه اليوم للعالم الحر تحت مسمى «التعايش الاندماجي»، ليس سوى مأسسة دينية صريحة للتقية، وتفويض إلهي للتورية والنفاق المجتمعي المباح وقت الاضطرار.
الخطاب هنا لا يبني مواطناً، بل يصنع طابوراً خامساً يتقن الابتسامة الصفراء في وجه جاره، وينتفع بانتهازية مفرطة من مكاسب وقوانين بلاده ريثما تتغير الموازين. ويبلغ الاستلاب ذروته حين يختتم الشعراوي بقاعدته الكارثية: «إن رضيت اليهود عن واحد فليحكم بأنه فارق ملة الله». هذه البرمجة تحول إنسانيتك، وتفانيك في مهنتك كطبيب أو محامٍ أو صحفي يحظى بثقة واحترام محيطه الغربي، إلى «مؤشر ارتداد» عن الدين! إنها منظومة قائمة على فقه الحلال والحرام، تتعامل مع العالم بفوقية الجلاد الذي يتمسكن حتى يتمكن، جاعلة من العزلة الشعورية والنفاق المدني فريضة إلهية.
وتكتمل السريالية في ذلك المشهد الفضائحي الذي بات مألوفاً كل جمعة: شيخ أو ناشط، فرّ من جحيم القمع والفقر والانهيار الاقتصادي وأحكام الشريعة في بلاده الأصلية، ليحتمي بدول العالم الحر. يقف في قلب لندن، أو باريس مكفول الكرامة، محتمياً بقانون لا يميز بين عرق ودين، ومستنداً إلى شبكات حماية اجتماعية يمولها دافع الضرائب الذي يكفّره، وبجواز سفر غربي يحفظ آدميته في كل مطارات العالم. ثم وبكل استخفاف، يمسك الميكروفون ليصرخ في المهاجرين بخشوع مصطنع: «احذروا.. ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم!».
إنه يعيش عالة على عدم رضاهم، وينعم بخيرات ديمقراطيتهم وحقوقهم المدنية العلمانية، ثم يرميهم ببارانويا قروسطية من على منبر تكفّلت قوانينهم بحمايته؛ في استعراض فج لازدواجية معايير تنحر قيم المواطنة بسكين الحرية ذاتها.


إرسال تعليق