Translate






لعقود طويلة، ترددت في الأدبيات الاعتذارية والخطابات اللاهوتية المجمّلة معزوفة مكررة وزائفة مفادها: "إن الإسلام كرّم المرأة ومنحها أعلى المراتب منذ خمسة عشر قرناً”. 

ولا يقتصر الترويج لهذا الطرح على رجال الدين التقليديين والمؤسسات الدينية فحسب، بل يمتد ليلتقطه بإنعام سُذّاج "التقدميين" الغربيين المخدوعين بشعارات "التعددية الثقافية" و"مناهضة الإسلاموفوبيا".

غير أنه بمجرد إزالة هذا الطلاء التجميلي المصنوع للاستهلاك الغربي، يصطدم المرء بحقيقة صلبة لا تدع مجالاً للشبهة: منظومة لاهوتية وفقهية وثقافية شاملة، صُممت لتجريف وكالة الأنثى الإنسانية وإرادتها المستقلة، واستبدالها بوضع تبعي دائم يبدأ من لحظة الصرخة الأولى للميلاد وحتى المواراة في التراب.

لا يهدف هذا المقال إلى الخوض في سجالات لاهوتية عقيمة حول تفاصيل إجرائية فرعية لم يتفق عليها رجال الدين منذ 1400 عام. الخلل الجوهري لا يكمن في أن النساء يعانين أحياناً من ظواهر تمييزية فردية، بل في المنظومة المؤسسية ذاتها التي تسلب المرأة حق السيطرة الكاملة على جسدها، قراراتها، مصيرها، وعلاقاتها—ثم تتجرأ لتطالبها باعتبار هذا الإخضاع صوراً من صور "الكرامة"!

المشكلة ليست مجرد أن النساء يظلمن رغم وجود هذا الإطار التشريعي، بل إن الظلم ذاته جرى إعادة تعريفه بصفته طاعة، والوصاية بكونها حماية، والعبودية بكونها تكريماً.

نحن هنا لنضع المشرط على الجرح مباشرة—لنواجه النصوص الدينية الحية، المأثورات، الفتاوى، والواقع الاجتماعي الذي يعتقل حياة ملايين النساء باسم "المقدس”.



1. التمييز الهيكلي: تسعير القيمة الأنثوية منذ الولادة

إن التخفيض الممنهج لقيمة الوجود الأنثوي ليس مجرد خطأ اجتماعي عابر، بل هو تسعير لاهوتي ومادي مترسخ يُفرض على الأنثى فور خروجها للدنيا.

ففي شعيرة العقيقة (ذبيحة المولود)، تنص العقيدة التشريعية على ذبح شاتين عن المولود الذكر، مقابل شاة واحدة فقط عن الأنثى (سنن أبي داود برقم 2842، وصحيح الترمذي 1513). وهذا ليس مجرد تفاوت مالي؛ بل هو مرسوم رمزي مدمر يُرسخ في الوعي الجمعي منذ اليوم الأول أن الروح الأنثوية في الميزان الشرعي تُقيم ماديًا بنصف قيمة الروح الذكرية. ومن هذه الركيزة الأولى، تتفرع القوانين والعقائد التمييزية:

  • نصف شهادة (نقصان الأهلية): مهما بلغت المرأة من العلم والتخصص، فإن شهادتها أمام القضاء مقسومة بالنصف مقارنة بأميّ ينطق بالشهادتين، استناداً لنص الآية: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ" (سورة البقرة 2:282). التبرير الفقهي هنا ليس إجرائياً، بل يمس عقلها وذاكرتها بشكل أزلي.

  • نصف ميراث ونصف دية: تسلب الشريعة الأنثى المساواة المالية بحصر نصيبها في نصف نصيب أخيها الذكر (سورة النساء 4:11). بينما يجمع الفقه المذهبي المتبوع (كبدائع الصنائع للكاساني وأحكام ابن رشد) على أن دية الأنثى—أي القيمة المادية لدمها إذا قُتلت أو جُرحت—هي نصف دية الذكر تماماً.

  • زواج القاصرات واستباحة الطفولة: يجيز الفقه التقليدي للولي الذكر إجراء عقد زواج على ابنته وهي بعدُ طفلة في المهد لم تبلغ الحلم، استناداً لقوله: "وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ" (سورة الطلاق 65:4). يملك الأب سلطة مطلقة للتصرف في جسدها دون إذنها، حيث انحصر السجال الفقهي بين المذاهب حول ما يُسمى "سن الاستطاعة والدخول" (البناء)، مما يحول جسد الطفل إلى موضوع للمتعة الذكورية المعلقة على تقدير الولي.


     

2. العنف الأسري المؤسسي: شرعنة العنف باسم "التأديب والنشوز"

تحت غطاء "التأديب الزوجي"، يشرّع الفقه الإسلامي العنف الأسري ضد المرأة ويحوله من اعتداء جنائي إلى حق ديني محمي بالشرع.

تؤسس سورة النساء (4:34) لهرمية سلطوية، تمنح الزوج صلاحية تأديب الزوجة إذا ظهر منها مجرد خوف من "النشوز" (أي الخروج عن الطاعة والامتثال) عبر تسلسل: الوعظ، ثم الهجر في المضاجع، وصولاً إلى العقاب الجسدي الصريح: "وَاضْرِبُوهُنَّ".

ورغم المحاولات الاعتذارية المعاصرة لتلطيف النص أمام الغرب بزعم أن الضرب يجب أن يكون "غير مبرح" أو برمزية عود السواك (كما ورد في بعض التفاسير)، فإن المبدأ القانوني يظل خطيراً وبشعاً: يمتلك الرجل بموجب النص المقدس سلطة ممارسة العنف الجسدي وتأديب امرأة بالغة لإرغامها على الخضوع، بينما يُحظر على المرأة ممارسة أي رد فعل مشابه إذا نشز الزوج، بل تُطالب بالصلح والتنازل!


 

3. نقل الملكية: من الولي إلى الزوج وسلب الأهلية القانونية

لا تتلخص الأزمة في كون المرأة "أقل حرية"؛ بل في أن الهيكل الفقهي يفرض نقلاً ممنهجاً للسيطرة والملكية على حياتها من ذكر إلى ذكر آخر.

يقوم هذا البناء على التفرقة الفقهية الصارمة بين "الوكالة" و"الولاية". فالوكيل ينفذ رغبة شخص كامل الأهلية بموافقته، بينما يمارس "الولي" سلطته لأن الشريعة تعتبر الأنثى قاصرة ذاتياً عن إدارة مصيرها وشؤونها الشخصية.

الرجل هو الفاعل والمالك للوكالة، بينما الأنثى هي موضوع الولاية. تنتقل سلطة القرار من الأب إلى الزوج بموجب عقد النكاح، وتعود للأقربين من الذكور (الابن، الأخ، أو العصبة) في حال الخلاف. وفي معظم القوانين المستمدة من الشريعة، تمنع الأنثى من تزويج نفسها، السفر، أو استخراج وثائقها دون موافقة خطية من "الولي" الذكر، مما يرسخ وضعها كقاصر قانوني وأخلاقي مد الحياة.



4. عقد النكاح: مؤسسة الشراء والاستمتاع غير المتكافئة

عند الفحص الدقيق للتكييف الفقهي لعقد الزواج عند المذاهب الأربعة (الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة)، يُعرف عقد النكاح صراحة بأنه "عقد يملك به الرجل استمتاعاً بالمرأة". فالشراكة الإنسانية غائبة، وحقوق إنهاء العقد موزعة بظلم فادح:

  • الطلاق (سلطة الذكر المطلقة): حق ملكي مالي وشافه ومطلق للرجل، يلقيه بكلمة واحدة في لحظة غضب دون حاجة لإثبات أسباب أو الوقوف أمام قاضٍ.

  • الخلع والفسخ (سداد الفدية): إذا كرهت المرأة الحياة مع زوجها، لا تملك حق الطلاق؛ بل تُجبر على "الخلع" عبر سداد فدية مالية (إعادة المهر والتنازل عن حقوقها)، أو الاستغاثة بـ "الفسخ" القائم على تعقيدات قضائية وإثباتات شاقة لمواجهة تعنت القضاء والزوج.

  • الرجعة والعدة (الاسترقاق الزمني): يملك الرجل حق إرجاع المطلقة طلاقاً رجعياً أثناء فترة "العدة" بقرار فردي منه ودون موافقتها أو عقد جديد. بينما تُحرم المرأة أثناء العدة من الحركة والبدء من جديد، في حين يستطيع الرجل عقد نكاحه على امرأة أخرى بعد طلاقها بدقائق!



5. الاستعمار الجنسي: احتكار الرغبة ومحو الاستقلالية الجسدية

في التشريع الفقهي، الرجل هو المبتغِي والسيد للشهوة، بينما الأنثى هي الموضوع الجسدي للمتعة؛ الرجل يطلب والأنثى تُطلب، الرجل ينكح والأنثى تُنكح.

  • امتياز التعدد: يُمنح الرجل حق تشريع رغباته المتعددة بالزواج من أربع نساء في آن واحد (سورة النساء 4:3)، بالإضافة إلى ما ملكت يمينه تاريخياً. في المقابل، تُحصر إرادة الأنثى الجنسية في رجل واحد، وتُعاقب بالرجم حتى الموت إن مارست أي رغبة خارج هذا الإطار.

  • الإكراه الجنسي الزوجي: تمحو النصوص مفهوم التراضي الجنسي داخل الزواج، وتحول رغبة الرجل إلى أمر ديني وجب تلبيته فوراً تحت تهديد العقاب الإلهي: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ" (صحيح البخاري برقم 3237، وصحيح مسلم 1436). بل وتؤكد المأثورات إخضاعها حتى لو كانت في أقصى انشغالها: "لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ" (مسند أحمد ورواه ابن ماجه 1853).

  • إلغاء مشاعر الغيرة: تُستخدم غيرة الرجل كمسوغ شرعي لحجب المرأة وتقييد حركتها، بينما تُؤمر المرأة ببتطويع مشاعرها وقبول الضرات بصفته مبتلى ديني يُثاب عليه بالسلبية والتسليم.


     

6. الشريعة البوليسية على تفاصيل الأنثى: تجريم العطر، الصوت، والخطوة

لا تتوقف المنظومة عند التشريعات الكبرى كالميراث والولاية، بل تلاحق الأنثى في أدق تفاصيل وجودها اليومي من خلال شريعة بوليسية تحرّم أبسط مظاهر الأناقة والتعبير الجسدي:

  • تجريم العطر ووصفه بالزنا: يُحظر على المرأة وضع أي عطر عند الخروج من بيتها، وتصمها النصوص الصريحة بـ "الزنا" لمجرد أن يشم الرجال ريحها: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا مِنْ رِيحِهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ" (مسند الإمام أحمد برقم 19578، وسنن النسائي 5126، وصححه الألباني).

  • تحريم الكعب العالي والألوان والمشية: تمنع الفتاوى السائدة ارتداء الأحذية ذات الكعب العالي والألوان اللافتة، استناداً لنصوص تحريم ضرب الأرجل: "وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ" (سورة النور 24:31)، مما يحوّل خطوتها وزينتها إلى خطيئة محتملة.

  • تحريم الصوت وعورة التعبير: تُصنف أدبيات واسعة صوت المرأة كـ "عورة" إذا انطوى على ترتيل أو إناثة في الفضاء العام، خشية إثارة الغرائز الذكورية، كأن صوتها آلة إغواء لا أداة تفكير.

  • سلب حرية التنقل (السفر بلا محرم): يُحظر على المرأة السفر بمفردها مسافة يوم أو ليلة دون مرافق ذكر ("محرم"): "لاَ تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ" (صحيح البخاري 1862). هذا القيد يعامل الأنثى البالغة ككائن عاجز يفتقد الأهلية للتحرك بمفرده في العالم.



7. جسد الأنثى كخطيئة عامة وتبرئة التحرش الذكوري

عندما يُعرَّف جسد المرأة بكونه مصدراً أصيلاً للفتنة والعورة، يتحمل المجتمع مسؤولية جماعية لمراقبته، حجبها، وإدارته. وتعلن المنظومة عملياً: الرجل قد يرغب، والمرأة قد تُغوي—ولذلك يجب تقييد المرأة!

وهنا تكمن المفارقة الأخلاقية الأبرز: يُحاسب الرجل على أفعاله في كل شيء، إلا عندما يتعلق الأمر بالمرأة؛ إذ تنتقل المسؤولية فوراً من الشخص العاجز عن ضبط رغباته إلى المرأة المتهمة إما بعطرها، حجابها غير الكامل، أو مجرد حضورها!

تُعامل المرأة بصفتها عورة تامة—كشيء ينطوي ذاتياً على ضرورة الحجب. وبناءً عليه، لا تُعامل كمواطنة مستقلة تتحرك في الفضاء العام، بل كـ "خطر جنسي" يجب تنظيم وجوده وسجنه خلف القماش حتى لا يختل وقار الذكور.



8. لغة الوصم والإخضاع النفسي: الشؤم والنقصان والشياطين

عندما يجري تقنين سلب الوصاية، يُغلف بعبارات نفسية ولاهوتية تغرس في الأنثى شعوراً بالدونية الأصيلة:

  • الوصف بالنقصان والنجاسة: تصف النصوص المعتمدة النساء بأنهن "نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ" (صحيح البخاري برقم 304)، وتؤكد أنهن يشكلن "أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ". علاوة على ذلك، تُقطع صلاة الرجل إذا مرت أمامه امرأة، حيث جرى حشرها في مساق واحد مع الحمار والكلب الأسود: "يَقْطَعُ الصَّلاَةَ المَرْأَةُ وَالحِمَارُ وَالكَلْبُ" (صحيح مسلم برقم 510)!

  • المرأة كشؤم وشيطان: تنص المأثورات الصريحة على أن الشؤم يتركز في ثلاثة: "إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ: فِي الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ"(صحيح البخاري برقم 2858، ومسلم 2225). وتؤكد نصوص أخرى أن حضورها ينطوي على شر شيطاني: "إِنَّ المَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ" (صحيح مسلم برقم 1403).

  • عقدة الشرف والذكورة الهشة: تُختزل الأخلاق والكرامة بكاملها في جسد المرأة وسلوكها الجنسي. فشرف الرجل لا يرتكز على نزاهته أو أمانته، بل يتوقف كلياً على السيطرة على جسد وسلوك أخته، زوجته، أو ابنته.



9. جسد الأنثى أمام التشريع الجنائي: شرعنة "جرائم الشرف"

لا تنتج النصوص الدينية كل سلوك اجتماعي تلقائياً؛ بل إنها تزود البنى الاجتماعية بلغة مشروعية، وأطر قانونية، ومفاهيم أخلاقية تبررها وتدعمها.

في المجتمعات المحافظة، لا يُنظر إلى المرأة كشخص يملك جسده، بل كفضاء قانوني وأخلاقي عام: العائلة ترقبه، الزوج يطالب به، المجتمع يحاكمه، الدولة تشرع له، والدين يحدد مدى ظهوره.

هذا الإطار يمنح مشروعية مباشرة لـ "جرائم الشرف" ويوفر للجناة الذكور تخفيفاً قضائياً وأحكاماً مخففة في القوانين الجزائية العربية المستمدة فقهياً (مثل المادة 237 من قانون العقوبات المصري والمادة 340 من قانون العقوبات الأردني) إذا قتل الرجل زوجته أو أخته بداعي الزنا أو الشبهة، بينما يُحرم النساء من هذا الدفاع. إنه واقع جليّ يُعامل فيه جسد المرأة قانونياً كـ "جريمة محتملة" ودمها بكونه أرخص قيمة.

10. اللائي يرفضن المقدس: الاختبار الحقيقي للحرية

تقبل قطاعات واسعة في المجتمعات التقليدية "حرية" مشروطة للمرأة: بشرط أن تظل محجبة، متزوجة، مطيعة، غير ناقدة للدين، وممتثلة للبنى العائلية.

لكن الاختبار الحقيقي للحرية يحدث عندما تعلن المرأة: أنا لا أريد الحجاب، لا أريد الزواج، لا أريد الإنجاب، أريد الطلاق، أريد الاستقلال الكامل، أو أريد أن أعيش حياتي وفقاً لقيمي الخاصة!

في هذه اللحظة، يسقط قناع "التكريم". فالخروج عن هذه المنظومة لا يُقابل بالاحترام، بل بالحملة من الإرهاب الاجتماعي: اتهامات بالتكفير الشرفي، التحرش الرقمي، النبذ، وفي البيئات المحافظة، قد تكون كلفة هذا الخروج النفي، العنف، أو التصفية الفسدية.



11. "النسوية الإسلامية" والتلاعب باللغة

بينما تخوض النساء في الشرق معارك مصيرية من أجل التحرر، ظهرت مهزلة لغوية وفكرية في العواصم الغربية تحت مسمى "النسوية الإسلامية".

المسألة الجوهرية هنا ليست نفي أن النساء الدينيات يمكنهن حمل أفكار نسوية؛ بل إن السؤال الأساسي هو: لماذا يُطرح "الإسلام" كإطار ضروري ومستقل لتعريف فئة قائمة بذاتها من النسوية، بينما لا تُستخدم مصطلحات مثل "النسوية المسيحية" أو "النسوية اليهودية الأرثوذكسية" كشاريع إيديولوجية عالمية موازية؟

تبدأ المشكلة من الاسم ذاته. لماذا نحتاج إلى "نسوية إسلامية"؟ هل تتوفر "ديمقراطية إسلامية" كبديل ديني مستقل للديمقراطية؟ أو "حقوق إنسان إسلامية" بنظام بديل؟ أو "حرية إسلامية" بتعريف منفصل للحرية؟

ما يحدث هنا هو عملية استحواذ مستمرة لإعادة تسمية منتجات الحداثة السياسية والفكرية بعد إخضاعها للسلطة الدينية: لم يتم إضفاء الديمقراطية على المنظومة، بل تم أسلمة الديمقراطية. لم يحرَّر الفقه، بل أُعيدت كتابة لغة التحرر لخدمته. ولم تعد النساء يطالبن بحقوقهن خارج المنظومة؛ بل أُجبرن أولاً على إثبات أن حقوقهن لا تتضارب معها!

إن القضية تكمن في تحويل رمز ديني نشأ داخل بنية بطريركية إلى معيار عالمي للتمكين، ثم المطالبة بـ حماية هذا الرمز من النقد في المجتمعات الغربية. وإذا كان الحجاب حقاً "خياراً شخصياً" وقراراً مستقلاً عارياً من الوصاية الذكورية، فنحن نطرح هذا التحدي على أي امرأة تدافع عنه:

هل يمكنكِ خلع حجابكِ لدقيقة واحدة فقط في مكان عام، والمشي بحرية أمام عائلتكِ ومجتمعكِ، ثم إعادته بحرية تامة—دون مواجهة إرهاب نفسي، اتهامات بالردة، نبذ اجتماعي، أو تهديدات بالعنف؟

والإجابة التي لا تقبل الشك هي: لا، لا يمكنكِ!

ولذلك، فهو ليس خياراً حراً؛ بل هو نتاج إكراه اجتماعي وديني متراكم. وإن تغليفه بكونه "حرية" ليس سوى إعادة تسويق للعبودية. والمنطق ذاته ينطبق على "امتناع المصافحة"؛ حيث يُسوق الامتناع عن التحية اللائقة بكونه "طهارة"، بينما يحمل في حقيقته رسالة مهينة تتعامل مع الطرف الآخر كحيوان عاجز عن ضبط رغباته أمام إشارة إنسانية بسيطة.



12. خيانة اليسار الرجعي الغربي

في هذه المأساة المستمرة، يتحمل اليسار التقدمي الغربي مسؤولية تاريخية وأخلاقية جسيمة.

فمن أجل المكاسب الانتخابية القريبة وتحت شعار "التعددية الثقافية"، أقام اليسار الغربي تحالفاً غير مقدس مع المنظمات الإسلامية المحافظة داخل الجيوب المعزولة في المدن الأوروبية. ولقد تخلى عن الإصلاحيين، التنويريين، والنساء المرتدات العاجزات عن الدفاع عن أنفسهن، متنازلاً عن مجتمعات المهاجرين لصالح مجالس شريعة وأوصياء قباليين أقاموا أنفسهم حكاماً!

يمارس اليسار الغربي ازدواجية معايير هي الأكثر وقاحة: فهم يحاربون السيطرة الذكورية والامتيازات الذكورية الممارسة من قبل الرجال الغربيين بشراسة، بينما يدافعون بحماس عن نفس الممارسات الذكورية الممارسة من قبل الرجال الشرقيبن تحت غطاء "حماية الهوية الثقافية"! إنها نظرة استعلائية تفترض ضمنياً أن النساء الشرقيبات لا يستحقين نفس حقوق الإنسان العالمية، الاستقلالية الجسدية، والحرية التي تمتلكها النساء الغربيات.



أوهام الخطاب الاعتذاري: تقديس الأمومة الزائف وجنة «افتضاض الأبكار»

حين يضيق الخناق على الخطاب الدعوي أمام ترسانة النصوص الفقهية التي تسلب المرأة أهليتها، يلجأ المدافعون إلى حيلتين تجميليتين جاهزتين للاستهلاك الساذج: الاستقلال المالي الشكلي، وابتزاز عاطفة الأمومة.

يردد هذا الخطاب بافتخار: "مال الزوجة لها، ومال الزوج للبيت". لكن هذا الفقه الذي يمنحها ذمة مالية منفصلة، هو ذاته الذي يُسقط نفقتها فوراً إذا أبت الفراش أو خرجت من بيتها بغير إذن زوجها تحت باب «النشوز»؛ فالإنفاق هنا ليس شراكة إنسانية ولا اعترافاً بكرامة، بل هو في التكييف الفقهي الصريح مقابل تمكين الزوج من الاستمتاع وحبس المرأة في البيت. إنه ليس تمكيناً اقتصادياً، بل تسعير لعقد احتباس واستيفاء للمتعة.

أما الملاذ الأخير للإفلاس الفكري فهو التغني بمكانة "الأم" والترديد الببغائي لمقولة: "الجنة تحت أقدام الأمهات"—وهي عبارة ليست آية قرآنية ولا تثبت حديثاً صحيحاً عن النبي (أخرجها ابن عدي في الكامل برقم 6/349 وقال العقيلي في الضعفاء: لا أصل له)، وإنما المأثور مقارب له في بر الوالدين. وهنا يبرز الخواء المنطقي الصارخ:

هل اخترع اللاهوت تقديس الأمومة؟ إن تعظيم دور الأمومة غريزة بشرية وتكريم عرفته الحضارات الإنسانية والشرائع السابقة على ظهور هذه النصوص بآلاف السنين؛ فهل كانت أمهات البشرية مهانات ومحتقرات حتى جاء النص ليكتشف برّهن؟!


ثم الأدهى من ذلك: عن أي "جنة" يتحدث هؤلاء لتكون تحت أقدام النساء؟ هل هي تلك الجنة التي تم تفصيل نعيمها وفق فانتازيا ذكورية بحتة تقتات على جسد الأنثى؟ ففي قوله تعالى: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ) [سورة يس: 55]، يجمع كبار مفسري الأمة والصحابة—وعلى رأسهم عبد الله بن عباس (حبر الأمة وترجمان القرآن) وعبد الله بن مسعود (فقيه الأمة وأقرب الناس لصحبة النبي)—على أن هذا "الشُّغُل" هو: «افتضاض الأبكار» (تفسير الطبري 20/531، وتفسير ابن كثير 6/580).


والمفارقة الأكثر فجاجة تكمن في السؤال البديهي الذي يتجاهله هذا الخطاب: إذا كانت كرامة المرأة معلقة فقط بشرط أن تكون "أماً"، فما هو مصير المرأة التي لم تُنجب، أو التي اختارت ألا تكون أماً، أو العاقر، أو العزباء؟ هل يعني ذلك تجريدها من الاحترام والكرامة الإنسانية؟

إن حصر التكريم في "الأمومة" لا يُعد تكريماً للمرأة بذاتها، بل هو احتفاء بوظيفة بيولوجية تؤديها؛ فبمجرد تجريدها من صفة "الرحم المنتج"، تعود في ميزان المنظومة كائناً ناقص الأهلية، موضوعاً للاستمتاع، وعورة يجب حجبها.


وأي بؤس أخلاقي هذا الذي يطلب من المرأة أن تفخر بجنة وُعِد الرجال فيها بنعيم يقوم على الاستهلاك الجنسي لـ "حور عين" لا عمل لهن إلا افتضاض بكاراتهن في خيام النعيم، بينما تُختزل مكانة المرأة الأرضية إما في خادمة مطيعة أو رحم يُقدَّس فقط بعد أن تنجب ذكوراً للمنظومة؟! إن تكريم الإنسان يكون لذاته وبصفته كائناً مستقلاً كامل الأهلية، لا بربط قيمته بوظيفته البيولوجية كـ "أم" تابعة، بعد سلب إنسانيتها كـ "امرأة”.



الخاتمة: الكرامة الإنسانية فوق العقيدة المقدسة

لقد حان الوقت لتسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.

إن حقوق الإنسان ليست نسبية؛ والكرامة الإنسانية لا تجزأ. وأي إطار ديني أو قانوني يعامل المرأة بنصف كائن إنساني، ويسلبها وكالتها الإنسانية على جسدها وخياراتها، ويحدد شرف المجتمع من خلال السيطرة على جسدها وسلوكها، هو منظومة يجب تفكيكها وتعريتها دون خوف أو تهيب من "المقدس".

إن التحرر الحقيقي لن يأتي عبر الأدبيات الاعتذارية أو الترقيع الإصلاحي الذي يحاول جعل القيود القديمة مريحة؛ بل يبدأ التحرر عندما يملك المجتمع الشجاعة لهدم قدسية العقائد وإعلاء الوكالة الإنسانية العالمية والحرية الفردية. فالفرد الذي يفتقد الحق في التشكيك في النص الذي يحكم حياته، أو رفض العرف الذي يطالبه بالخضوع، أو امتلاك جسده وقرارته، لا يعيش حراً—بغض النظر عن الاسم الممنوح لسلاطينه. فالقيد لا يصبح حرية لأن رجلاً دينياً أعاد تعريفه، ولا تغدو الوصاية تكريماً لأن امرأة أُمرت بشكر من يمارسها عليها.

أكتب تعليق

أحدث أقدم