Translate






في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر، ومع حلول الذكرى السادسة والسبعين بعد المائة لـ «قومة حلب» (1850)، لا نستحضر مجرد تاريخٍ تقويمي أو واقعة شغبٍ طواها غبار الأرشيف، بل نقف أمام المحطة الصادمة التي افتتحت فصلاً دموياً صريحاً من فصول الاضطهاد الممنهج لمسيحيي المشرق تحت الحكم العثماني. 
لقد كانت حلب جرس الإنذار المبكر لما ستؤول إليه لاحقاً أوهام المساواة والمواطنة، وأولى الشرارات التي دشنت قرناً ونصفاً من التجريف الديموغرافي واقتلاع المجتمعات الأصيلة من أرضها.


إن تراجع الوجود المسيحي في المشرق، وتحديداً في سوريا والعراق ولبنان، لم يكن يوماً مجرد نتيجة عرضية لصراعات العقد الأخير أو إفرازاً مفاجئاً لتمدد التنظيمات المتطرفة. فالقراءة الاستقصائية المجردة لواقع هذا النزيف تكشف أن ما تشهده هذه الجغرافيا اليوم من تفريغ ديموغرافي واقتلاع للمجتمعات المسيحية، هو الامتداد الطبيعي لسياسة "هندسة ديموغرافية" منهجية قادتها العقلية العثمانية بدم بارد، وتوارثتها أنظمة وتنظيمات لاحقة. لم تكتفِ تلك السلطة بفرض الهيمنة العسكرية، بل أدارت آلة استئصال مبرمجة، بدأت كرسائل ترهيب دموية وانتهت بمحارق وإبادات جماعية اقتلعت مجتمعات أصلية من جذورها التاريخية.



فخ "التنظيمات" والمذابح المبكرة (1850-1860)
في منتصف القرن التاسع عشر، أصدرت الإمبراطورية العثمانية حزمة من الإصلاحات عُرفت بـ "التنظيمات"، واعدةً غير المسلمين بمساواة قانونية تامة تحت مظلة المواطنة. لكن الصعود الاقتصادي للمسيحيين المشرقيين أدى إلى تآكل البنية الطبقية الإقصائية، مما ولّد احتقاناً تُرجم سريعاً إلى دماء.



في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1850، انطلقت أولى الرسائل الدموية عبر ما عُرف بـ "قومة حلب". استُبيحت الأحياء المسيحية العريقة، وتحديداً حيي الصليبة والجديدة، وقُتل المئات ودُمرت كنائس تاريخية. 
وتوثق دراسة الأكاديمي بروس ماسترز (Bruce Masters) المحكمة والصادرة عن جامعة كامبريدج، كيف شكلت أحداث حلب ارتداداً لاندماج سوريا في النظام الرأسمالي العالمي، وكيف استُهدف الصعود الاقتصادي المسيحي في ظل تراخي وتواطؤ السلطات المحلية العثمانية.

ولم تكن حلب سوى تمرين محلي؛ ففي تموز/يوليو 1860، انفجر المشهد في دمشق عبر "طوشة الشام". بتواطؤ فاضح من وحدات الحماية العثمانية، دُمر حي باب توما بأكمله، وقُتل نحو 5 آلاف مسيحي من أصل 22 ألفاً كانوا يقطنون داخل أسوار المدينة القديمة، في عقاب جماعي لكل من حاول الخروج من عباءة "الذمية".



التحول نحو الاستئصال: المجازر الحميدية (1894-1896)
مع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، انتقلت الإدارة العثمانية من غض الطرف عن المذابح إلى الإشراف المركزي على التطهير. أسس السلطان عبد الحميد الثاني "الكتائب الحميدية" وسلحها رسمياً لسحق الوجود المسيحي.
بين عامي 1894 و1896، حصدت هذه الحملات أرواح عشرات الآلاف من الأرمن والسريان، مُخلفة عشرات الآلاف من الأيتام وحولت مئات الكنائس إلى مساجد، لتشكل هذه المجازر البروفة اللوجستية الحية للإبادة الكبرى.



مجازر أضنة 1909: العنف بوجوه دستورية جديدة
الحلقة التاريخية الأوضح التي تربط بين المجازر الحميدية وإبادة 1915 هي مجازر ولاية أضنة عام 1909. رغم الإطاحة بعبد الحميد الثاني وصعود حكومة جمعية "الاتحاد والترقي" إثر الثورة الدستورية سنة 1908، استمرت آلة الاستئصال. وتُقدر الدراسات الأكاديمية المنشورة لدى مطبعة جامعة كامبريدج عدد القتلى الأرمن في هذه المجازر بأكثر من 20 ألفاً. لقد أثبتت أضنة أن تغيير شكل السلطة العثمانية (من سلطنة مطلقة إلى حكم دستوري) لم يُغير من عقيدة الدولة تجاه استئصال المكونات المسيحية.


1915: محو الذاكرة الجغرافية ومحارق الإبادة الكبرى
بلغ مشروع التجريف الديموغرافي ذروته عام 1915 تحت غطاء الحرب العالمية الأولى. انطلقت الحملة في 24 نيسان/أبريل لتبدأ أبشع عمليات الترحيل القسري. خسر الأرمن أكثر من مليون ونصف المليون إنسان في مسيرات الموت المروعة. 
ولم تقتصر آلة الموت على الأرمن؛ بل امتدت لتلتهم مسيحيي بلاد ما بين النهرين عبر مذابح "السيفو"، التي استهدفت الآشوريين والسريان والكلدان. مُسحت قرى ومناطق تاريخية من الخارطة، في محاولة لاقتلاع الذاكرة المسيحية المشرقية من جذورها.



سنوات الاقتلاع المستمر (1918-1923)
لا تنتهي رواية التجريف عند مسيرات موت 1915. فالسنوات اللاحقة التي واكبت انهيار الإمبراطورية العثمانية وتأسيس الجمهورية، شهدت استمراراً ممنهجاً للاقتلاع والمصادرة. يوثق كتاب (Genocide in the Ottoman Empire: Armenians, Assyrians, and Greeks) كيف استمر العنف والتفريغ الديموغرافي في الأناضول ومناطق الإمبراطورية السابقة، مستهدفاً طرد من تبقى من الأرمن والآشوريين واليونانيين الأرثوذكس وتجريدهم من أراضيهم وممتلكاتهم نهائياً.

يؤكد هذا الاتصال المنهجي المؤرخان بيني موريس ودرور زئيفي في كتابهما (The Thirty-Year Genocide)، ليقطعا الشك باليقين بأن ما جرى بين عامي 1894 و1924 لم يكن استثناءات فرضتها الحرب، بل استراتيجية دولة متصلة استهدفت الإبادة النهائية لمسيحيي الإمبراطورية.



مجزرة سُميل 1933: تمدد العنف لدول ما بعد الإمبراطورية
لم يتوقف العنف ضد مسيحيي المشرق بانهيار الإمبراطورية العثمانية. في العراق، وتحديداً في آب/أغسطس 1933، ارتكب الجيش العراقي الحديث مجزرة "سُميل" بحق الآشوريين، حاصداً أرواح الآلاف ومدمراً العشرات من قراهم. تُعد هذه المحطة مفصلية لفهم كيف ورثت الدول الوطنية الناشئة في المشرق عقلية الاضطهاد والاستئصال، مما يفسر بداية تفريغ الدولة العراقية الحديثة من مسيحييها الأصليين.



العراق المعاصر: التهجير ما قبل وما بعد داعش
في التاريخ المعاصر، لم تكن الفظائع مفاجئة بل ممهدة. قبل صعود تنظيم داعش، شهدت مدينة الموصل موجات تهجير عنيفة. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2008، وثقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) نزوح آلاف المسيحيين من المدينة هرباً من حملات القتل والتهديدات والترهيب الممنهج.

وعندما اجتاح تنظيم داعش الموصل وسهل نينوى عام 2014، أدخل المأساة مرحلة غير مسبوقة. وفي أيلول/سبتمبر 2024، أعلن فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة (UNITAD) توصله لأدلة قاطعة تؤكد وقوع جرائم دولية بحق مسيحيي العراق بين 2014 و2017، شملت النقل القسري، تدمير الممتلكات الثقافية، وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.



سوريا: الانهيار الديموغرافي الصامت
أما في سوريا، فالتجريف يأخذ شكل النزيف الصامت والعميق. 
يشير تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) الصادر في تموز/يوليو 2025 إلى انهيار مرعب في الكتلة الديموغرافية المسيحية. فبعد أن كان المسيحيون يشكلون نحو 10% من سكان سوريا قبل الحرب عام 2011، هبطت نسبتهم التقديرية إلى نحو 2% فقط (قرابة 300 ألف شخص)، وسط غياب تام لأي أفق يعيد بناء مجتمعاتهم المهجرة.




وإلى الوجدان المسيحي الغربي، الذي يمارس إيمانه اليوم في طمأنينة عواصمه الكبرى، ثمة حقيقة قاسية يجب أن تُدرك: إن مسيحيي المشرق ليسوا مجرد "أقلية مضطهدة" تستجدي بيانات الشفقة، بل هم "الجذر الحي" للجسد المسيحي العالمي، وحراس الأرض الأولى التي نطق قديسوها وتأسست كنائسها. حين يُغمض الغرب عينيه عن اقتلاع هذا الجذر، أو يتعامل مع المأساة كملف لاجئين، فإنه يمارس بتراً ذاتياً لهويته. 
القضية تتجاوز التضامن الإنساني لتصل إلى بقاء "الروح الأصلية"؛ فشرقٌ يُفرغ من مسيحييه، يعني أن الغرب سيقرأ إيمانه يوماً كأساطير منقرضة لا شهود عليها، وسيكتشف متأخراً أن صمته البارد كان الرصاصة الأخيرة التي أُطلقت على مهده الأول.

إن الدفاع عن الحضور المسيحي في المشرق يتطلب مساءلة تاريخية صارمة. لا يمكن تأمين مستقبل آمن لمسيحيي الشرق، وضمان حقهم الثابت في البقاء والعودة، دون الاعتراف الصريح بأن هذا المشرق يفقد روحه وهويته مع كل عائلة مسيحية تُجبر على حزم حقائبها للرحيل.

أكتب تعليق

أحدث أقدم