منذ قيام ما عُرف بـ"الثورة الإسلامية الإيرانية" عام 1979، أُعيد تشكيل الملامح السياسية والاستراتيجية للشرق الأوسط بصورة جذرية. ولم يقتصر تأثيرها على الداخل الإيراني، بل تحوّل إلى مسار ممتد أعاد تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا وفكريًا. وبعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال تداعياتها تتجاوز حدود إيران وتترك أثرها العميق في الإقليم وخارجه.
ما بدأ كحراك داخلي سرعان ما تحوّل إلى مشروع ذي أبعاد إقليمية ودولية. وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، ترسّخ مشروع عابر للحدود قائم على تصدير الأيديولوجيا الدينية وربط السياسة بالعقيدة. ولم يعد مبدأ "تصدير الثورة" مجرد شعار نظري، بل تحوّل إلى سياسة عملية، أشعلت سلسلة من الصراعات المتلاحقة في المنطقة.
بسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، لم يقتصر تثبيت السلطة على إسقاط النظام السابق، بل امتد إلى تفكيك الحلفاء الذين ساهموا في إنجاح الثورة نفسها. فقد جرى تهميش التيارات العلمانية واليسارية والقومية، ثم حظرها واعتقال رموزها، وفي كثير من الحالات إعدامهم. ولم تستبدل الثورة نظامًا بآخر فحسب، بل ضيّقت المجال السياسي حتى لم يعد يتسع إلا للامتثال الأيديولوجي الكامل. وبحلول أوائل الثمانينات، سُحقت أحزاب مثل "توده"، وأُغلقت الصحف المعارضة، وتحوّل التعدد الثوري إلى احتكار ديني للسلطة.
كما شكّلت إعدامات عام 1988، التي طالت أعضاء وأنصار منظمة "مجاهدي خلق" إلى جانب يساريين ومعارضين آخرين، واحدة من أكبر عمليات التصفية السياسية في تاريخ إيران الحديث. وبهذا المعنى، لم تواجه الثورة خصومها الخارجيين فقط، بل التهمت أجزاءً من تحالفها الداخلي، ورسّخت منذ بداياتها نمطًا من الإقصاء الأيديولوجي القائم على القمع والخوف.
كما شكّلت إعدامات عام 1988، التي طالت أعضاء وأنصار منظمة "مجاهدي خلق" إلى جانب يساريين ومعارضين آخرين، واحدة من أكبر عمليات التصفية السياسية في تاريخ إيران الحديث. وبهذا المعنى، لم تواجه الثورة خصومها الخارجيين فقط، بل التهمت أجزاءً من تحالفها الداخلي، ورسّخت منذ بداياتها نمطًا من الإقصاء الأيديولوجي القائم على القمع والخوف.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، نشأ في المقابل تطرف سنّي مسلح، وتكوّنت حركات جهادية رأت نفسها في مواجهة مشروع مذهبي مضاد. وتداخل الدعم السياسي والمالي مع التعبئة الدينية في مرحلة عُرفت باسم "الصحوة الإسلامية"، حيث اجتمع التطرف الأيديولوجي مع الصراع الجيوسياسي، لتنفجر دوامة عنف لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، اندلعت الحرب بين إيران والعراق (1980–1988)، وهي واحدة من أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين، خلّفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى، واستنزفت اقتصاد البلدين، وأدخلت المنطقة في سباق تسلح واسع لا تزال تداعياته قائمة.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تحوّل مفهوم الدولة في أجزاء من المنطقة من دولة وطنية ذات حدود واضحة إلى ساحة نفوذ عابر للحدود، تُدار فيها القرارات الكبرى وفق اعتبارات أيديولوجية لا وفق مصالح وطنية خالصة. وتكاثرت الميليشيات المرتبطة عقائديًا بطهران، وأصبح السلاح خارج إطار الجيوش النظامية عنصرًا دائمًا في معادلة القوة السياسية.
لم يعد نموذج "الدولة داخل الدولة" مجرد حالة استثنائية، بل جرى تصديره بشكل ممنهج إلى أكثر من ساحة. وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تحوّلت الميليشيات إلى سلطات موازية قادرة على تجاوز المؤسسات الرسمية أو فرض إرادتها عليها. فتآكلت السيادة، واختلّ ميزان الشرعية، وتحول السلاح غير النظامي من أداة قتال إلى أداة حكم.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تحوّل الصراع السياسي من خلاف قابل للتفاوض إلى صراع ديني مُقدّس. وعندما يُقدَّم النزاع على أنه واجب عقائدي لا يقبل التسوية، يصبح التراجع خيانة، وتغدو التسويات ضعفًا. وهكذا تطول الحروب، وتتضخم كلفتها البشرية بلا سقف واضح.
وفي ظل النظام الذي تشكّل بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، جرى عسكرة المجتمع بوصفها ثقافة دائمة لا حالة طوارئ. فقد تعاظم نفوذ الحرس الثوري والباسيج، واتسعت دوائر التعبئة الأيديولوجية، وأُعيد تشكيل التعليم والإعلام ليصبحا منصتين لترسيخ فكرة الصراع المستمر وتمجيد الشهادة. وهكذا تغلّب منطق التعبئة على منطق الدولة المدنية.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، جرى تسييس الشعائر الدينية وتحويلها إلى أدوات تعبئة عابرة للحدود، حيث ارتبطت الممارسة الدينية بالولاء السياسي، واستُخدمت الرموز الدينية لتعميق الانقسام، فتجاوزت الشعائر بعدها الروحي لتصبح أدوات استقطاب وصراع.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، شهدت إيران موجات واسعة من الهجرة شملت علماء وأطباء وأكاديميين ورجال أعمال، ما أدى إلى استنزاف الكفاءات وتراجع رأس المال البشري، وتشكل جاليات كبيرة في أوروبا وأمريكا الشمالية هربًا من القيود السياسية والاقتصادية.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تعاظم اقتصاد الظل المرتبط بمؤسسات نافذة، وعلى رأسها شبكات مرتبطة بالحرس الثوري في قطاعات النفط والبناء والاتصالات. فبرز اقتصاد موازٍ أقل شفافية، تقلّصت فيه المنافسة، وتداخلت فيه السلطة بالثروة على نحو أضعف الحوكمة والمساءلة.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تحوّل احتجاز مزدوجي الجنسية والأجانب إلى أداة تفاوض متكررة. فقد جرى توقيف أفراد بتهم أمنية فضفاضة، وتحويل قضاياهم إلى أوراق مساومة ضمن صفقات تبادل أو ضغوط سياسية، وهو نمط مستمر حتى اليوم أثّر مباشرة في علاقات إيران مع دول عدة.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تآكل مفهوم المواطنة لصالح الولاء الأيديولوجي، حيث تقدّم الانتماء العقائدي على الانتماء الوطني، ما أضعف مبدأ المساواة أمام القانون، وعمّق الانقسام داخل المجتمع الواحد.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، امتد النفوذ إلى دول أفريقية عبر أنشطة دينية وثقافية وأمنية، ضمن شبكة علاقات عابرة للحدود، ما أضاف ساحات جديدة للتنافس والتأثير خارج الإطار الإقليمي التقليدي.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، استُخدمت العقوبات — التي جاءت نتيجة سياسات دائرة ضيقة من رجال الدين والمسؤولين الأمنيين — كجزء من المعادلة الداخلية. فبدل أن تكون دافعًا للمراجعة، تحولت إلى خطاب تعبئة وتبرير دائم للأزمات الاقتصادية، بينما دفع المجتمع ثمن قرارات لم يكن طرفًا في صنعها.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تحوّلت إيران والعراق وسوريا واليمن ولبنان إلى ساحات صراع مباشر أو غير مباشر، فيما عانت دول الخليج العربي من توتر أمني مستمر وتهديدات للملاحة والطاقة. وأُغلقت الحدود والأجواء، وتوقفت المدارس والمؤسسات، وتراجعت اقتصادات كاملة في بيئة إقليمية يغلب عليها عدم الاستقرار.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، أصبح مضيق هرمز نقطة توتر عالمية دائمة، حيث ينعكس أي تصعيد فيه فورًا على أسواق الطاقة، فتتكرر موجات ارتفاع أسعار النفط، وتزداد معها كلفة الغذاء والسلع الأساسية عالميًا، وتتعمّق هشاشة اقتصادات المنطقة.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، توسّع البرنامج النووي الإيراني، ما أدى إلى فرض عقوبات دولية واسعة شملت قطاعات النفط والمصارف والتجارة. وتدهورت العلاقات مع الغرب منذ أزمة احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، لتدخل المنطقة في دورة مستمرة من الضغوط والردود، أصبح معها التوتر حالة شبه دائمة.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، ترسّخت أذرع مسلحة خارج إطار الدولة الوطنية، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، الذي تجاوز كونه فاعلًا محليًا ليصبح جزءًا من مشروع إقليمي مرتبط بطهران، وتجاوز نفوذه حدود الدولة ومؤسساتها.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، لم يقتصر النفوذ على السياسة والعسكر، بل امتد إلى شبكات مالية غير مشروعة عابرة للقارات، ارتبطت بملفات تهريب مخدرات وغسل أموال في مناطق متعددة من العالم.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، تحوّل حزب الله إلى ذراع إقليمية ذات امتداد عالمي، واتُّهم في تقارير أمنية دولية بالضلوع في شبكات تهريب كوكايين من أمريكا الجنوبية إلى أفريقيا وأوروبا، واستخدام عائداتها في تمويل أنشطته.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، ظهرت شبكات في فنزويلا والبرازيل وباراغواي ضمن ما يُعرف بمنطقة "الحدود الثلاثية"، حيث وُثّقت أنشطة مرتبطة بعناصر قريبة من حزب الله في قضايا غسل أموال وتهريب مخدرات.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، أصبح الخليج العربي هدفًا لشحنات ضخمة من المخدرات، حيث ضُبطت مئات الملايين من أقراص الكبتاغون وأطنان من الحشيش في موانئ ومنافذ حدودية، وارتبطت بعض تلك الشبكات بجهات ضمن محور طهران، ما حوّل المخدرات إلى أداة تمويل ونفوذ تضرب المجتمعات من الداخل.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، امتد الأذى إلى الغرب عبر شبكات تهريب المخدرات وعمليات أمنية واغتيالات نُسبت إلى وكلاء مرتبطين بها خلال العقود الماضية.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، أصدر روح الله الموسوي الخميني فتوى عام 1989 بإهدار دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب رواية "آيات شيطانية"، وهي فتوى لم تُسحب رسميًا، كما صدرت تحريضات مشابهة ضد رسامين وكتّاب غربيين، ما حوّل الخلاف الفكري إلى تهديد مباشر للحياة.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، نُفذت إعدامات واسعة، وعُلّقت المشانق في الساحات، وقُمعت الاحتجاجات، خصوصًا في المناطق الكردية، وأُعدم آلاف المعارضين عبر العقود.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، لم تقتصر الإعدامات على فئة واحدة، بل طالت أطيافًا متعددة من المجتمع، من عرب الأهواز والبلوش إلى رجال دين سنة وأفراد من الطائفة البهائية، ضمن اتهامات تتعلق بالأمن القومي.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، جُنّد عشرات الآلاف من الأفغان والعراقيين ضمن تشكيلات مسلحة وأُرسلوا للقتال خارج بلدانهم، خصوصًا في سوريا، حيث سقطت أعداد كبيرة من الضحايا ضمن صراعات عابرة للحدود.
وبسبب الثورة الإسلامية الإيرانية، لم تكن الكلفة مجرد خرائط نفوذ وخطابات وميليشيات، بل كانت بيوتًا تم تكسيرها بيتًا بيتًا. في اليمن، وفي سوريا، وفي العراق، وفي لبنان، وفي الخليج العربي، فقدت عائلات أبناءها، وعاش الأطفال الجوع والخوف، وترملت نساء، وتيتم أطفال، وتحولت الإعاقات الدائمة إلى قدر لأجساد لم تختر شيئًا. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل هي الحقيقة العارية.
وتتجلى هنا مفارقة واضحة في الخطاب الغربي، حيث يُطلب الصمت عن هذا الإرث الطويل من التدخلات والقمع، فقط لأن إيران تقف في مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل. وكأن الخصومة السياسية كفيلة بمحو سجل كامل من العنف والتدخل.
ويتجاهل هذا الخطاب الطبيعة الإقصائية للنظام، الذي بنى شرعيته على تقسيم العالم إلى مؤمنين وأعداء، وصعّد خطابًا عدائيًا واسعًا، مستخدمًا شعارات الإزالة والمحو، ومروّجًا لمفردات مثل "الإسلاموفوبيا" لتقييد النقد وربطه بالعداء الديني.
ومع ذلك، تُتجاهل حقيقة أن حزب الله، الذي يُقدَّم كـ"مقاومة لبنانية"، هو تنظيم مغلق عقائديًا، مرتبط بالقيادة الإيرانية، وقد لعب دورًا مباشرًا في أزمات المنطقة ومعاناة شعوبها.
والمشكلة ليست في نقد السياسات الغربية، بل في تحويل هذا النقد إلى غطاء يتستر على سجل آخر من القمع والتدخل. فالانتقائية الأخلاقية لا تصنع عدالة.
ومع ذلك، وخلف خطاب الزهد والمقاومة، تقف حقيقة أشد قسوة!
هل عاش فقيرًا؟
نعم… بضعة دولارات في حسابه، وملايين الضحايا خلفه في إيران وسوريا والعراق واليمن ولبنان.
هل عاش متقشفًا؟
نعم… كان فطوره اليومي قمة في “البساطة”: كسرة خبز يابسة يُبلّلها برشفة من دم طفل لتنساب في حلقه، وعظم رجل عُذّب حتى الموت، يمصّه ليحصل على بضع غرامات من الكالسيوم.
هل ابتعد عن السيارات الفارهة؟
نعم… لم يكن بحاجة إليها. فقد كان يمتطي شعوب المنطقة نفسها، جالسًا على حصير خشن فوق مقبرة جماعية تمتد من طهران إلى تعز.
هل كان شجاعًا — ألم يهرب مثل بشار الأسد، الذي دعمه لسنوات، ولم ينحنِ لـ"الإمبريالية"؟
نعم… بقي في موقعه أمام كل الضغوط، تاركًا وراءه شعوبًا منهكة تنتظر حروبًا تحرق الأرض والإنسان معًا — وربما كانت تلك الطريقة الوحيدة للتخلص منه ومن أمثاله.
لم ننتهِ بعد، ولن ننتهي. فالأجيال القادمة ستلمس آثار هذه الثورة كما لمسناها نحن، وربما أشد.
لم نتحدث بعد عن الجراح النفسية العميقة، ولا عن المجتمعات التي نشأت في ظل الخوف، ولا عن العائلات التي تمزقت، ولا عن مصائر الملايين التي تحولت إلى المجهول.
لم نتحدث عن النزوح، ولا عن الهروب عبر الصحارى والبحار، ولا عن الانتظار في المخيمات بحثًا عن أمان.
هذه ليست تفاصيل هامشية، بل وجوه إنسانية لقصة أكبر.
وما بدأ عام 1979 لم ينتهِ بعد، بل لا يزال يُكتب في حياة ملايين البشر.
إرسال تعليق