في 24 كانون الأول/ديسمبر 2025، صادق البرلمان الجزائري بالإجماع على قانون يعلن أن استعمار فرنسا للجزائر، الذي استمر 132 عامًا، جريمة. وتطالب الدولة الجزائرية كذلك باعتذار رسمي وتعويضات من فرنسا. والأكثر إثارة للقلق أن القانون نفسه ينص على عقوبات بالسجن بحق أي جزائري يتحدث بإيجابية عن الحقبة الاستعمارية الفرنسية أو يدلي بأي «تصريحات ذات دلالات استعمارية». نحن، إذن، أمام نموذج صارخ للغضب الانتقائي: إدانة قانونية للتاريخ، وتجريم للرأي، ومحاولة قسرية لإغلاق أي نقاش لا يخدم الرواية الرسمية.
نعم، استعمرت فرنسا الجزائر لأكثر من قرن، لكن من غير الممكن تجاهل أنها أدخلت ما لم يكن موجودًا من قبل: إدارة دولة، وبنية تحتية، ومؤسسات، وتكنولوجيا، وطبًا، وبكلمة واحدة: التحديث. ولهذا تحديدًا يجرّم القانون الجديد أي حديث إيجابي عن تلك المرحلة، إذ لا يزال كثير من الجزائريين — ولا سيما من الأجيال الأكبر — يقرّون بهذه الوقائع. وإلى جانب ذلك، منحت فرنسا مستعمرتها السابقة أولوية في الهجرة، وسمحت لملايين الجزائريين بالانتقال إليها والسعي إلى حياة أفضل، بوصف ذلك شكلًا من أشكال الجبر الملموس والعملي لا الخطابة الرمزية.
في المقابل، يبرز سؤال يتعمد الخطاب الجزائري الرسمي تجاهله: ماذا فعلت الجزائر للتكفير عن قرون من الجرائم التي ارتُكبت على أرضها بحق الأوروبيين، ومن بينهم الفرنسيون؟ فعلى مدى أكثر من ثلاثة قرون، من القرن السادس عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر، ازدهر شمال أفريقيا على استعباد الأوروبيين. ووفق التقدير المحافظ الذي قدّمه المؤرخ الأميركي روبرت سي. ديفيس، فإن ما بين عامي 1530 و1780 شهد استعباد ما يقارب مليون، وربما ما يصل إلى مليون وربع المليون، من المسيحيين الأوروبيين البيض على يد قراصنة الساحل البربري.
لم تكن سواحل أوروبا آمنة من هذه الغارات. بين عامي 1627 و1633، احتل القراصنة جزيرة لندي قبالة الساحل الغربي لبريطانيا، ومنها نهبوا إنجلترا كما شاءوا. وفي عام 1627، هاجموا الدنمارك وحتى آيسلندا البعيدة، واختطفوا نحو 800 شخص. وفي عام 1631، تعرّضت قرية بالتيمور في أيرلندا لغارة، ووفقًا لمصدر مبكر «أُسر 237 شخصًا، رجالًا ونساءً وأطفالًا، حتى الرضّع في المهاد»، ونُقلوا إلى أسواق العبيد البائسة في شمال أفريقيا، وكان أشهرها وأكبرها — ويا للمفارقة — متمركزًا في الجزائر نفسها.
ما تعرّض له هؤلاء الأسرى يفوق الوصف: أعمال شاقة في المحاجر مع شح شديد في الطعام والماء، سلاسل على مجاديف السفن العثمانية، وضرب حتى الإنهاك والموت. النساء والفتيات بِعن للسراري وتعرّضن للاستغلال الجنسي، وكذلك عدد غير قليل من الصبية بل وحتى الرجال. ومع بيع أعداد هائلة من النساء الأوروبيات بأثمان زهيدة، لاحظ مراقبون أوروبيون في أواخر القرن الثامن عشر أن «سكان الجزائر يتمتعون ببشرة بيضاء لافتة إلى حدّ ما». أما من قاوم أو تجرّأ على انتقاد الإسلام أو المسلمين — ولا سيما محمد — فكانت عقوباته تشمل الخوزقة أو الشواء أحياء، أو الإلقاء من فوق الأسوار على خطافات حديدية حادة حتى الموت. ولم تكن هذه وقائع نادرة، بل نمطًا موثقًا ومتكررًا في شهادات معاصرة.
حتى الولايات المتحدة لم تسلم. ففي عام 1785، أسر قراصنة جزائريون سفينتين أميركيتين. وبالنظر إلى ما تعرّض له العبيد المسيحيون من تعذيب وضغوط دينية واعتداءات، لم يكن القبطان أوبراين مبالغًا حين كتب لاحقًا إلى توماس جيفرسون أن معاناتهم تفوق القدرة على التعبير. وقد نقل جيفرسون نفسه، في رسالة إلى الكونغرس عام 1786 بعد لقائه مع جون آدامز ومبعوث جزائري، أن تبرير هذه الحروب والاستعباد كان يُقدَّم بوصفه واجبًا دينيًا مكتوبًا في القرآن، لا ردًا على أي عدوان.
ولم تقتصر القرصنة المنطلقة من الجزائر على القرى الساحلية. فعلى امتداد القرن السابع عشر استهدفت بشكل منهجي السفن التجارية الأوروبية، ولا سيما الهولندية والإنجليزية. فقد جرى اعتراض مئات السفن التابعة لشركات تجارية كبرى في البحر المتوسط بل وحتى في المحيط الأطلسي، وأُسر طواقمها، وصودرت شحناتها، وطُلبت فديات باهظة من الحكومات أو العائلات. وتُظهر سجلات الموانئ وأرشيفات التأمين البحري في أمستردام ولندن أن القرصنة الجزائرية لم تكن أعمال سلب عشوائية، بل اقتصادًا منظمًا قائمًا على خطف البشر والابتزاز على مستوى الدول، إلى حدّ اضطرار بعض الخطوط التجارية إلى تغيير مساراتها أو الإبحار تحت حماية عسكرية دائمة. وكان البحّارة المستهدفون مدنيين وتجارًا لا جنودًا، وهو ما يقوّض أي محاولة لاحقة لتقديم هذه الأعمال بوصفها «مقاومة» أو «ردًا على عدوان».
وعند النظر إلى جغرافية تجارة الرقيق عبر المتوسط، يتضح أن الجزائر لم تكن مجرد عقدة ضمن شبكة أوسع، بل كانت مركزها الأكثر نشاطًا، متقدمة بوضوح على طرابلس وتونس. فبينما شاركت الموانئ الثلاثة في الغارات والاستعباد، تميّزت الجزائر بحجم سوقها وعدد الأسرى وانتظام العمليات وارتباطها المباشر بالإدارة العثمانية. آلاف الأسرى الأوروبيين مرّوا عبر الجزائر سنويًا، حيث أُعيد توزيعهم بين العمل القسري وخدمة المجاديف والبناء والبيع الداخلي أو التصدير. أما طرابلس وتونس فظلتا أقل كثافة من حيث الحجم والتنظيم. ولهذا تحديدًا تتكرر الإشارة إلى الجزائر في المراسلات الدبلوماسية الأوروبية المتعلقة بالفديات وتهديدات الملاحة وأمن الإبحار، بما يعكس موقعها الحقيقي في قلب هذه المنظومة لا على هامشها.
أمام هذا الواقع، لم تتعامل أوروبا مع القرصنة الجزائرية بوصفها حوادث متفرقة، بل كتهديد دائم يستوجب ردودًا قانونية وسياسية وعسكرية. فقد أُبرمت عشرات المعاهدات الثنائية مع الجزائر، تضمنت جزيات سنوية أو هدايا رسمية أو فديات جماعية مقابل إطلاق الأسرى. وعندما فشلت هذه الترتيبات، لجأت دول عدة إلى القوة العسكرية، منها بريطانيا وهولندا وإسبانيا ثم الولايات المتحدة خلال الحروب البربرية. وتُظهر هذه الوقائع أنه حتى بعد تفوق أوروبا البحري لاحقًا، ظلت لعقود مضطرة إلى شراء السلام بالمال، في اعتراف ضمني بأن هذه الغارات كانت ابتزازًا منظمًا لا نزاعًا متكافئًا.
ورغم كل ذلك، تقف الجزائر اليوم لتقدّم نفسها واعظة أخلاقية للشعوب الغربية، وتصف فرنسا بالمستعمر «المجرم»، وتطالب بـ«تعويضات»، متجاهلة أن فرنسا غزت الجزائر — في مفارقة تاريخية صارخة — لوضع حدّ لأسواق العبيد التي ازدهرت فيها قرونًا. بل إن الجزائر كانت، على الأرجح، الأسوأ بين مراكز استعباد الأوروبيين في العالم الإسلامي، إذ احتجزت عشرات الآلاف من العبيد في أي وقت وخلّفت دمارًا واسعًا على سواحل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا.
هذا الطرح لا ينطلق من دفاع عن فرنسا ولا من تبرئة لتاريخها الاستعماري، بل من رفض قاطع للكذب وتزييف الوقائع والانتقائية الأخلاقية. فالمطالبة بالاعتذار أو التعويض، إن أُريد لها أن تكون جادّة، تقوم على أسس غير قابلة للتفاوض: أرقام ثابتة، سجلات موثقة، أسماء ضحايا، قبور، أرشيفات، ومسؤولية تاريخية محددة قابلة للتحقق. هذا هو المعيار المعتمد عالميًا عند الحديث عن الاعتراف أو الجبر. أما في الحالة الجزائرية، فنحن أمام خطاب سياسي يقوم على أرقام متضخمة ومتغيرة، بلا سجلات رسمية، ولا قوائم أسماء، ولا مواقع دفن، ولا وثيقة واحدة قابلة للفحص، مع انتقائية فجّة تستهدف طرفًا واحدًا وتُسقط بقية السجل التاريخي عمدًا.
وبالمنطق نفسه الذي تستند إليه الجزائر اليوم، يجدر بها — إن كانت صادقة في خطاب «التعويضات» — أن تفتح الملف التاريخي كاملًا دون انتقائية. فقد خضعت الجزائر للحكم العثماني لما يقارب أربعة قرون، في فترة لم تكن «حماية» ولا «شراكة»، بل تبعية سياسية وعسكرية واقتصادية كاملة. جُنّد خلالها عشرات الآلاف من الجزائريين قسرًا في حروب عثمانية في البلقان وأوروبا والبحر المتوسط، واستُنزفت الموارد البشرية والاقتصادية للبلاد لصالح إسطنبول، واستُخدمت الجزائر قاعدة بحرية في صراعات أسفرت عن قتل وأسر ودمار واسع. والسؤال الذي لا مهرب منه: لماذا لا تطالب الجزائر بتعويض عن تلك القرون وتلك الأرواح؟ ولماذا لا نسمع اليوم أي مطالبة موجّهة إلى تركيا، بوصفها الوريث السياسي والقانوني للدولة العثمانية، لا باعتذار ولا بتعويض ولا حتى باعتراف تاريخي؟
في المقابل، تُوجَّه المطالبة حصريًا إلى فرنسا، رغم أنها — بخلاف العثمانيين — تركت بنية دولة حديثة، ومؤسسات، وبنية تحتية، وإدارة، وتعليمًا، وطبًا، وفتحت أبوابها لملايين الجزائريين الذين يشكّلون اليوم أكبر جالية أجنبية فيها ويتمتعون بحقوق الإقامة والعمل والجنسية، بينما لا تستقبل تركيا الجزائريين بوصفهم «ضحايا احتلال عثماني»، ولا تقدم سياسات تفضيلية أو تعويضات أو حتى نقاشًا رسميًا حول تلك المرحلة التي يُقدَّم وجودها في الخطاب الرسمي بوصفه «خلافة» أو «حماية» لا احتلالًا.
هنا تنكشف الازدواجية بلا أقنعة: الاحتلال يُدان حين يكون أوروبيًا، ويُبرَّر أو يُجمَّل حين يكون إسلاميًا. وعليه، فإن خطاب التعويضات بهذه الصيغة لا يمثل موقفًا أخلاقيًا ولا قراءة تاريخية جادة، بل أداة سياسية انتقائية تُستخدم ضد طرف واحد وتُسقط بقية السجل التاريخي عمدًا. وإذا كانت الجزائر تطالب فرنسا بالتعويض باسم التاريخ، فإن التاريخ نفسه — إذا أُخذ بجدية — يفرض عليها أن تسأل أولًا: أين تعويضات العثمانيين؟ وأين اعتذار ورثتهم؟
وأخيرًا، في ما يتعلق بالتعويضات، بين عامي 1795 و1800 اضطرت الولايات المتحدة إلى إنفاق 16% من كامل ميزانيتها الفدرالية السنوية على فديات تُدفع إلى الجزائر من أجل إطلاق سراح بحّارة أميركيين وشراء بضع سنوات من السلام، قبل أن تتصاعد المطالب الجزائرية مجددًا وتندلع الحرب البربرية الأولى. وبحسب منطق الجزائر نفسه، أليس من الواجب إذن أن تدفع تعويضات للولايات المتحدة؟
- - الخطاب البرلماني الجزائري وقانون كانون الأول/ديسمبر 2025 (النصوص الرسمية والتصريحات المرتبطة به).
- - روبرت سي. ديفيس، العبيد المسيحيون والسادة المسلمون: العبودية البيضاء في البحر المتوسط والساحل البربري وإيطاليا، 1500–1800، دار بالنغريف ماكميلان، 2003.
- - دِس إيكين، القرية المسروقة: بالتيمور وقراصنة البربر، دار أوبراين برس، 2006.
- - شهادات أوروبية معاصرة جُمعت في أعمال تاريخية متعددة حول معاملة الأسرى في الجزائر العثمانية.
- - توماس جيفرسون وجون آدامز، رسالة إلى جون جاي، 28 آذار/مارس 1786، الأرشيف الوطني للولايات المتحدة (Founders Online).
- - سجلات الأرشيف في المكتبة البريطانية حول احتلال جزيرة لندي، 1627–1633.
- - سجلات الموانئ وأرشيفات التأمين البحري في أمستردام ولندن، القرن السابع عشر.
- - دراسات مقارنة حول الجزائر وطرابلس وتونس ضمن شبكات تجارة الرقيق في البحر المتوسط.
- - المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، بيانات ديموغرافية حول الهجرة الجزائرية إلى فرنسا.
- - وزارة الخارجية الأميركية، سجلات الحروب البربرية والإنفاق الفدرالي، 1795–1800.
- - دراسات أرشيفية عثمانية حول شمال أفريقيا، 1518–1830.
- - سجلات الأرشيف الفرنسي حول غزو الجزائر، 1830.
إرسال تعليق