Translate






لم تكن هذه يومًا قصة عن اللجوء أو التعايش أو البحث عن حياة أفضل. كانت لحظة تحوّل فيها مشروع ديني إلى سلطة سياسية. تقديمها اليوم بوصفها «مثالًا جميلًا للهجرة» ليس خطأً بسيطًا، بل تزييف للتاريخ.

عندما يستشهد زهران ممداني بهجرة محمد من مكة إلى المدينة، فهو لا ينقل التاريخ، بل يعيد كتابته بما يناسب خطابًا سياسيًا معاصرًا. تلك الهجرة لم تكن اندماجًا في مجتمع قائم، بل كانت تأسيسًا لسلطة جديدة. لم تكن انتقالًا إلى نظام، بل إنشاء نظام.

قبل أيام، تحدث ممداني، عمدة مدينة نيويورك الجديد وأول عمدة مسلم لها، عن حماية المهاجرين، واستشهد بهذه الهجرة بوصفها نموذجًا إيجابيًا. قال إن محمد كان مستضعفًا وغريبًا، ثم وجد في المدينة وطنًا جديدًا، واستشهد بآية من سورة النحل:

﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾.

يبدو هذا الطرح جذابًا للوهلة الأولى، لكنه يقوم على اقتطاع جزء من القصة وترك بقيتها.





أنا مهاجر، ومن الطبيعي أن أكون مع الهجرة المنظمة، ضد العنصرية، ومع حقوق المهاجرين. هذه ليست مواقف تحتاج إلى تبرير، بل بديهيات. لكن ما يُطرح هنا ليس دفاعًا عن الهجرة، بل استخدام انتقائي للتاريخ لتبرير خطاب سياسي.

الهجرة المحمدية لم تكن بحثًا عن عمل أو تعليم أو حياة أفضل. كانت مشروعًا سياسيًا واضحًا، انتهى بتأسيس سلطة في المدينة. لم تكن اندماجًا، بل إحلالًا.
ولم تكن انتقالًا بين حضارتين مختلفتين، بل من مجتمع عربي إلى مجتمع عربي.

وما حدث لاحقًا ليس محل خلاف: تثبيت السلطة في المدينة ارتبط بخروج قبائل يهودية منها وفرض إجراءات قاسية بحقهم، وفق ما تذكره المصادر الإسلامية نفسها.

والأهم من ذلك، أن النصوص الدينية التي يُستشهد بها اليوم لا تتحدث عن «تعايش» كما يُروَّج لها.

في سورة التوبة، التي تُعد من آخر ما نُسب إلى الوحي، يأتي النص صريحًا:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا﴾

هذا ليس تفسيرًا، بل نص مباشر. وما زال يُطبَّق عمليًا حتى اليوم، حيث تُمنع غير المسلمين من دخول مكة والمدينة، وتُخصَّص طرق منفصلة لهم.










ثم يقول النص نفسه:

﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ... حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ... قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾

﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾

هذه ليست نصوصًا هامشية، بل مركزية. وإذا كان هذا هو المرجع، فلا يجوز استخدامه بشكل انتقائي.

الأمر نفسه ينطبق على الحديث الذي استشهد به ممداني:

«بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ»

هذا الحديث لا يُفهم بمعزل عن غيره، مثل:

«أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين»

وهذا يناقض مباشرة فكرة الاندماج التي يُروَّج لها اليوم.

كما أن مفهوم الجهاد في مصادره التقليدية لا يُحصر في الدفاع، بل يرتبط بالتوسع وفرض السلطة. تجاهل هذا الإطار الكامل، والحديث فقط عن «الهجرة بحثًا عن الأمان»، هو تجاهل للنصوص نفسها.

التناقض واضح: نموذج قائم على تأسيس سلطة يُقدَّم كنموذج للتعايش.

لكن المشكلة لا تقف عند التاريخ.

اليوم، تعيش جاليات مسلمة كبيرة في المجتمعات الغربية، داخل أنظمة ديمقراطية تتيح حرية التنظيم والعمل السياسي. بالنسبة للكثيرين، هذا فرصة لحياة أفضل. لكن بالنسبة لبعض الحركات الأيديولوجية، هو فرصة لبناء نفوذ.

وهنا يظهر جوهر الإشكال:
أسلمة الديمقراطية، لا دمقرطة الإسلام.

أي استخدام الديمقراطية كأداة، لا كقيمة.

ويتعزز ذلك مع التحولات الديموغرافية. معدلات الإنجاب في كثير من العائلات المسلمة أعلى من المتوسط، ما يجعل الحضور الإسلامي أكثر وضوحًا في الأجيال الجديدة. يكفي أن تنظر إلى أسماء الأطفال في المدارس: محمد، أحمد، عمر، فاطمة، عائشة، خديجة.

المشكلة ليست في الأعداد، بل في كيفية استثمارها.

بعض الجماعات تعمل على تحويل هذه الكتلة إلى قاعدة سياسية، مستفيدة من صراعات الشرق الأوسط، وتغذية شعور الاغتراب لدى المسلمين في الغرب.

وهنا يأتي الاستغلال الحقيقي:

صعوبات الاندماج — اللغة، التهميش، التمييز — لا تُعالج، بل تُستخدم كنقاط ضعف. تُستثمر لتحريض المسلمين المسالمين، ودفعهم إلى تبني خطاب صدامي مع المجتمعات التي يعيشون فيها.

واللافت أن جزءًا من اليسار الغربي يساهم في ذلك، عندما يصور مجتمعه بوصفه منحلاً أو استعمارياً أو فاقدًا للقيم، فيعزز نفس السردية.

النتيجة:

خطاب إسلاموي يعزل المسلمين عن المجتمع، وخطاب يساري يطعن في المجتمع نفسه.

وبينهما، يضيق مجال الاندماج.

في هذا السياق، يتحول الحديث الذي استشهد به ممداني إلى إشارة سياسية، لا مجرد قول ديني. إشارة إلى أن النفوذ يمكن أن يُعاد بناؤه من الغرب، باستخدام حرياته وانفتاحه كنقطة انطلاق.

هذه ليست مسألة تعاطف. بل مسألة وضوح.

السياسة الحديثة لا تحتاج إلى استعارات مجتزأة، بل إلى مواجهة الحقيقة كاملة.
إما أن يُستخدم التاريخ كما هو، أو لا يُستخدم.

غير ذلك ليس تحليلًا.

بل نفاق وتلاعب.

أكتب تعليق

أحدث أقدم