وربما هنا أصل إلى ما أراه أكثر الأسئلة حساسية في هذا الملف كله.
حين يُدعى الزائر إلى المسجد تحت عناوين التعايش والانفتاح والاحترام المتبادل، يفترض بطبيعة الحال أن هذه القيم تمثل الامتداد الطبيعي لما يؤمن به هذا الدين وما أنتجه تاريخه.
لكن ما إن يبدأ الإنسان بالتعمق قليلاً حتى يكتشف واقعاً أكثر تعقيداً.
فالكثير من الجدل الذي يحيط بالإسلام في العصر الحديث لا يتعلق بسوء فهم عابر أو بصورة نمطية ظالمة، بل بنقاشات حقيقية حول نصوص وموروثات وأحكام ما زالت موجودة في الكتب والمراجع والفتاوى ويتعامل معها ملايين المسلمين بوصفها جزءاً من الدين نفسه.
ومن هنا تنشأ الفجوة.
المسألة لا تتعلق بأخطاء أفراد أو تصرفات معزولة. يكفي أن يتصفح الإنسان بعض كتب الفقه القديمة والحديثة ليجد نقاشات مطولة حول كيفية تمييز غير المسلم عن المسلم في اللباس والمظهر والحياة العامة. ويكفي أن يستمع إلى النقاشات الدائرة داخل المجتمعات الإسلامية نفسها ليرى كيف يستعمل التكفير والاتهام في الدين سلاحاً ضد المخالفين والمفكرين وأصحاب الآراء غير المألوفة.
ويكفي أن ينظر إلى حجم الخوف الذي يدفع كثيرين إلى إخفاء آرائهم الحقيقية أو ممارساتهم الشخصية حتى يدرك أن الجدل لا يدور دائماً حول صورة نمطية اخترعها الآخرون، بل حول وقائع وتجارب عاشها الناس بأنفسهم.
ولهذا لا أعتقد أن المشكلة تكمن في وجود هذه الأسئلة. المشكلة تكمن في التصرف أحياناً وكأنها غير موجودة أصلاً.
فـ"يوم المسجد المفتوح" لم يولد في كابول، ولا في طهران، ولا في الرياض، ولا في إدلب، ولا في أي بيئة يملك فيها رجال الدين أو الإسلاميون نفوذاً واسعاً على المجال العام.
لقد ولد في لندن ومانشستر وبرمنغهام، وفي أمستردام وبرلين وستوكهولم، وفي كندا وأستراليا ونيوزيلندا.
ولد في الأماكن التي تسمح للناس بأن يختلفوا، وأن ينتقدوا، وأن يعترضوا، وأن يسخروا، وأن يغادروا الدين إذا أرادوا، وأن يناقشوا الإمام نفسه دون أن يخشوا زيارة من الشرطة الدينية أو لجنة الأمر بالمعروف أو غضب العائلة والعشيرة.
ولد هذا اليوم في المكان الذي يستطيع المسجد أن يفتح أبوابه للناس، ويوزع الكتيبات، وينظم الفعاليات، ويستقبل السياسيين والإعلاميين، ويعقد جلسات حوار الأديان، ويجمع التبرعات، ويؤسس الجمعيات، ويحتج في الشوارع، ويعترض على الحكومة، بل ويتهمها بالعنصرية أو الإسلاموفوبيا، دون أن يخشى الإغلاق أو الحظر أو الملاحقة.
بل إن المفارقة تصبح أكثر حدة عندما نتذكر أن هذه الفعاليات نفسها ما كانت لتوجد أصلاً لولا الحريات الغربية التي كثيراً ما تُتهم بالانحلال والكفر والفساد الأخلاقي.
أما في دول كثيرة خارج هذا الفضاء، فالسؤال لا يكون: كيف سننظم يوماً مفتوحاً؟ بل يسألون أنفسهم وسراً: هل يُسمح لنا أصلاً بتنظيمه؟
لا يمكننا تجاهل مفارقة بسيطة: المجتمعات التي فتحت أبوابها لهذه المبادرات هي نفسها المجتمعات التي تُقدَّم في الخطاب الإسلامي على أنها أزمة أخلاقية أو حضارية أو روحية!
ومع ذلك، فإن الحرية التي تتيح للمسجد أن يشرح نفسه للآخرين اليوم ليست نتاج الفقه الإسلامي، ولا نتاج الشريعة، ولا نتاج الحركات الإسلامية، بل نتاج النموذج الليبرالي الغربي الذي أتاح للجميع حق الكلام والتنظيم والدعوة والاعتراض في المقام الأول.
السؤال المشروع هنا: إذا كانت هذه القيم بهذه الأهمية عندما يحتاج المسلم إلى حمايتها، فلماذا تبدو أقل أهمية عندما يحتاج إليها غير المسلم أو المختلف أو المنتقد داخل المجتمعات الإسلامية نفسها؟
وأكثر ما يلفت انتباهي في صور "اليوم المفتوح" ليس من حضر.. بل من لم يحضر!
فبعد سنوات طويلة من هذه الفعاليات، تتكرر الصور نفسها تقريباً: وجوه مبتسمة، أشخاص فضوليون، متقاعدون، طلاب، نشطاء حوار الأديان، مهتمون بالثقافات المختلفة، وأناس دخلوا المكان أصلاً لأن لديهم استعداداً مسبقاً للدخول.
أما الأشخاص الذين يُفترض أن المبادرة وُجدت من أجلهم، فلا يكاد أحد يراهم.
لا ترى الرجل الذي فقد ثقته بهذا الخطاب منذ سنوات.
ولا ترى المرأة التي تحمل تجربة مريرة مع بيئة دينية محافظة.
ولا ترى من ينظر إلى الإسلام بعين الريبة بسبب ما عاشه أو رآه أو قرأه.
ولا ترى أولئك الذين تدور حولهم كل هذه الحملات أصلاً.
كأن المشهد يشبه طبيباً يقف في ساحة عامة ليعالج المرضى، ثم يكتشف أن من يقفون أمامه ليسوا المرضى، بل أشخاص أصحاء جاءوا ليستمعوا إلى محاضرة عن الصحة.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.. ليس: كم شخصاً حضر؟
بل: أين الأشخاص الذين قيل لنا إن هذه المبادرات جاءت لتخاطبهم؟
فقد يكون من السهل أن تشرح نفسك لمن منحك فرصة الشرح مسبقاً. وقد يكون من السهل أن تتحدث عن الحوار مع من جاء أصلاً بحثاً عن الحوار.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ عند الأشخاص الذين لا يدخلون القاعة أساساً.
الأشخاص الذين لا يريدون الحضور.
أو لا يرون فائدة من الحضور.
أو يعتقدون أن ما سيُقال لهم هناك لن يكون مختلفاً عما سمعوه من قبل.
وهؤلاء تحديداً هم الغائب الأكبر عن كل صورة جماعية تُلتقط في نهاية اليوم.
كلما قرأت عن "اليوم المفتوح" أو شاهدت تقاريره وصوره، يعود السؤال نفسه إلى ذهني:
لماذا ظهر كل هذا في تلك المرحلة تحديداً؟
ليس لأن الإسلام كان مجهولاً قبلها. وليس لأن المساجد لم تكن موجودة. وليس لأن الناس اكتشفوا فجأة أن بينهم جيراناً مسلمين. كل ذلك كان قائماً بالفعل.
لكن شيئاً آخر كان يحدث في الخلفية.
ففي تلك السنوات لم يكن الإسلام حاضراً في النقاش العام بوصفه ديناً للصلاة والصيام فقط. كان حاضراً في نشرات الأخبار، وفي النقاشات السياسية، وفي الجدل حول الاندماج والتطرف والإرهاب والهوية والهجرة. وكان يُسأل عنه بطريقة لم يُسأل بها من قبل.
في تلك اللحظة تحديداً بدأت الأبواب تُفتح على نطاق واسع، وبدأت الجولات التعريفية، وبدأت الحملات الوطنية، وبدأت الأيام المفتوحة.
فحين يشعر أي فرد أو جماعة أو مؤسسة أن صورتها أصبحت موضع شك أو مساءلة، يكون من الطبيعي أن تحاول الشرح والدفاع عن نفسها وتقديم روايتها الخاصة للأحداث.
وربما لهذا السبب تحديداً لا أستطيع أن أرى هذه الأيام المفتوحة بوصفها مجرد دعوة بريئة إلى فنجان شاي وجولة داخل مسجد.
الناس لا يحملون إلى هذه القاعات دفاتر بيضاء.. إنهم يصلون محملين بذكريات وتجارب وانطباعات تشكلت عبر سنوات طويلة; بعضهم يحمل أسئلة لم يجد لها جواباً، وبعضهم يحمل جروحاً قديمة، وبعضهم يحمل قناعة استقرت في ذهنه منذ زمن.
ولهذا يبدو لي أن الجدل الدائر حول الإسلام في الغرب أعمق بكثير من أن يُختزل في سوء فهم يحتاج إلى تصحيح، أو صورة نمطية تحتاج إلى تلطيف.
ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو كيف نعرّف الناس إلى الإسلام.
بل أي إسلام نقصد عندما نقول لهم: هذا هو الإسلام؟
إرسال تعليق