Translate






لا يثير اهتمامي كثيراً ما يُقال للزوار في "اليوم المفتوح"، بقدر ما يثير اهتمامي الافتراض الذي تقوم عليه الفعالية نفسها.

فكل شيء فيها ينطلق من فكرة واحدة: أن الناس لا يعرفون الإسلام بما يكفي.

وكلما ازداد الجدل، جاءت الإجابة نفسها: مزيد من الشرح، مزيد من التعريف، مزيد من الحوار.

لكن ماذا عن أولئك الذين عرفوا الإسلام أصلاً؟

ليس من الكتب، ولا من الكتيبات، ولا من الجولات التعريفية، بل: من الحياة نفسها.

لقد عرفه ملايين البشر قبل أن يروا يوماً مفتوحاً وقبل أن يسمعوا بشعارات الحوار والتقارب. عرفوه في البيوت والمدارس والشوارع والعلاقات اليومية. عرفوه عندما لم يكن الدين مجرد عقيدة في القلب، بل سلطة اجتماعية تلاحق تفاصيل الحياة كلها.

عرفوه عندما كان بعض الناس يعرفون أنك لم تصلِّ الفجر قبل أن يعرفوا أنك مريض.

وعرفوه عندما كانت سمعة الإنسان الدينية تسبقه إلى العمل والزواج والعلاقات الاجتماعية.

وعرفوه عندما كان يكفي أن يراك أحدهم خارج المسجد أسابيع قليلة حتى تبدأ الأسئلة والهمسات والتفسيرات.

وعرفوه عندما كان بعض الناس يقيسون صلاح الإنسان بعدد الصلوات التي شاهدوها لا بعدد الأفعال الحسنة التي قام بها.

عرفوه عندما كانت المرأة تخفي طعامها في رمضان، لا لأنها تخشى الله، بل لأنها تخشى الناس.. تخشى النظرات والكلمات والأحكام الجاهزة، رغم أن الجميع يعرف أن لديها "عذراً شرعياً".

وعرفوه عندما كان الشاب يتظاهر أحياناً بما لا يقتنع به، لأن الصدق مع المجتمع كان أكثر كلفة من الصمت.

وعرفوه عندما كان بعض الناس يخفون آراءهم الحقيقية سنوات طويلة، لا خوفاً من السجن، بل خوفاً من النبذ.

وعرفوه عندما كانت العلاقات بين البشر لا تُبنى دائماً على الأخلاق أو المعرفة أو الإنسانية، بل على أسئلة أخرى: هل يصلي؟ هل يصوم؟ هل يلتزم؟ هل يجوز الجلوس معه؟ هل يصلح أن نصاهره؟ هل نأكل عنده؟ هل نصلي خلفه؟

وعرفوه أيضاً من ذلك الحضور الدائم للحلال والحرام في أدق تفاصيل الحياة.. في الطعام واللباس والعلاقات والصداقات والموسيقى والكتب والاحتفالات والكلمات وحتى الأفكار التي تدور في رأس الإنسان.

هذه هي التجربة التي لا تظهر في الصور الجماعية.

وهذه هي الحياة التي لا تُختصر في كتيب أنيق موضوع على طاولة عند مدخل مسجد.

ولهذا أجد نفسي متوقفاً أمام فكرة تتكرر باستمرار: أن مشكلة الناس مع الإسلام هي أنهم لا يعرفونه بما يكفي.

فكثير من الناس لا ينظرون إلى الإسلام من خلف زجاج قاعة عرض.

بل من داخل ذاكرة طويلة جداً.

ذاكرة مليئة بالإيمان أحياناً، وبالطمأنينة أحياناً، وبالمعنى أحياناً، لكنها مليئة أيضاً بالرقابة الاجتماعية والأحكام الجاهزة والخوف من مخالفة الجماعة.

وربما هنا أصل إلى ما أراه أكثر الأسئلة حساسية في هذا الملف كله.

حين يُدعى الزائر إلى المسجد تحت عناوين التعايش والانفتاح والاحترام المتبادل، يفترض بطبيعة الحال أن هذه القيم تمثل الامتداد الطبيعي لما يؤمن به هذا الدين وما أنتجه تاريخه.

لكن ما إن يبدأ الإنسان بالتعمق قليلاً حتى يكتشف واقعاً أكثر تعقيداً.

فالكثير من الجدل الذي يحيط بالإسلام في العصر الحديث لا يتعلق بسوء فهم عابر أو بصورة نمطية ظالمة، بل بنقاشات حقيقية حول نصوص وموروثات وأحكام ما زالت موجودة في الكتب والمراجع والفتاوى ويتعامل معها ملايين المسلمين بوصفها جزءاً من الدين نفسه.

ومن هنا تنشأ الفجوة.

المسألة لا تتعلق بأخطاء أفراد أو تصرفات معزولة. يكفي أن يتصفح الإنسان بعض كتب الفقه القديمة والحديثة ليجد نقاشات مطولة حول كيفية تمييز غير المسلم عن المسلم في اللباس والمظهر والحياة العامة. ويكفي أن يستمع إلى النقاشات الدائرة داخل المجتمعات الإسلامية نفسها ليرى كيف يستعمل التكفير والاتهام في الدين سلاحاً ضد المخالفين والمفكرين وأصحاب الآراء غير المألوفة. 

ويكفي أن ينظر إلى حجم الخوف الذي يدفع كثيرين إلى إخفاء آرائهم الحقيقية أو ممارساتهم الشخصية حتى يدرك أن الجدل لا يدور دائماً حول صورة نمطية اخترعها الآخرون، بل حول وقائع وتجارب عاشها الناس بأنفسهم.

ولهذا لا أعتقد أن المشكلة تكمن في وجود هذه الأسئلة. المشكلة تكمن في التصرف أحياناً وكأنها غير موجودة أصلاً.

ومن هنا يصعب عليّ أن أتعامل مع "اليوم المفتوح" بوصفه رحلة تعريفية فحسب.

لأن السؤال الذي يرافقني دائماً ليس: لماذا لا يعرف الناس الإسلام؟

بل: لماذا نفترض أن كل من ينتقده أو يتحفظ عليه لم يعرفه بعد؟

فبعض الناس لا يتحدثون من موقع الزائر، بل من موقع الشاهد. والفرق بين الاثنين هائل!

وإذا ما تجاوزنا للحظة السؤال المتعلق بمن يعرف الإسلام ومن لا يعرفه، تظهر أمامنا مسألة أخرى لا تقل أهمية:

أي إسلام يُعرض في "يوم المسجد المفتوح"؟

فكل عرض، مهما ادعى الحياد، يقوم على الاختيار، وكل اختيار يعني بالضرورة الاستبعاد.

ولهذا لا يمكن تقييم أي فعالية من خلال ما تعرضه فقط، بل من خلال ما تقرر عدم عرضه أيضاً.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
ليس عند الطاولات التي وُضعت عليها الكتيبات، بل في المساحات الفارغة بينها.

لماذا لا نجد مثلاً عند المدخل لوحات بعنوان: "الأسئلة الصعبة"؟
لماذا لا نجد جلسات مخصصة لمناقشة أكثر القضايا إثارة للجدل؟
لماذا لا يُقال للزائر منذ البداية: اسأل عن كل شيء؟ عن المرتد، عن غير المسلم، عن الحدود بين المؤمن والكافر، عن أحكام الزواج المختلط، عن العلاقة بين الشريعة والقانون المدني، عن كل ما تسمعه في الإعلام وكل ما يثير قلقك أو اعتراضك؟!

فعندما يدخل الزائر إلى المسجد في يوم مفتوح، يجد نفسه أمام نسخة مرتبة بعناية من الإسلام. كل شيء يبدو مدروساً: الآيات المختارة، والقصص المختارة، والمواضيع المختارة، وحتى الأسئلة التي يجري تشجيع الناس على طرحها.

يتحدث المنظمون عن الرحمة، والصدقة، والأسرة، وعن الجار، وعن التسامح، وعن القيم المشتركة، لكن المشكلة لا تكمن فيما يُقال... المشكلة تكمن في أن الصورة تبدو مكتملة بينما هي ليست كذلك!

فحين يُوضع القرآن مفتوحاً على سورة مريم عند المدخل، لا يُختَر ذلك عشوائياً.

إنها رسالة بصرية قبل أن تكون رسالة دينية.

رسالة تقول للزائر المسيحي: انظر، نحن أيضاً نؤمن بمريم...
لكن هل يعرف الزائر أن السورة نفسها تقدم مريم بصورة مختلفة جذرياً عن العقيدة المسيحية؟ وهل يعرف أنها تقدم يسوع المسيح بوصفه نبياً لا أكثر؟ وهل يعرف أنها تنكر بنوته الإلهية وعقيدة الثالوث أساس الإيمان المسيحي؟ وهل يعرف أنها لا تكتفي بالاختلاف مع العقيدة المسيحية، بل ترفضها أساساً؟

الأمر لا يتعلق بسورة مريم وحدها.. إنه نمط كامل.

تُعرض النقاط التي تخلق شعوراً فورياً بالألفة، وتُؤجل النقاط التي تخلق أسئلة صعبة. وتُعرض المساحات المشتركة، وتُدفع المساحات المتنازع عليها إلى الخلف.
إن أي إنسان أو مؤسسة أو أيديولوجيا تستطيع أن تبدو جميلة إذا امتلكت حق اختيار ما ستعرضه وما ستخفيه.

بدلاً من ذلك، تدور أغلب الجولات حول العمارة الإسلامية، والخط العربي، وأركان الإسلام، والحياة اليومية للمسلمين، وبعض القصص الإنسانية المؤثرة.

ففي بعض هذه الفعاليات لا يُكتفى بشرح الإسلام، بل يُدعى الزائر إلى معايشة جزء منه! فنجد بعض الأطفال يرتدون الحجاب، ويجرب آخرون الوقوف في صفوف الصلاة، ويتعلم الزوار شيئاً عن الوضوء. كما يُطلب منهم أحياناً المشاركة في أنشطة مرتبطة بالشعائر والرموز الدينية.

فإذا كان الهدف تعليمياً فقط، فلماذا لا يقتصر الأمر على المعلومات بينما يجري الانتقال من الشرح إلى التجربة ومن المعرفة إلى الإحساس ومن عرض الفكرة إلى محاولة خلق ارتباط نفسي معها؟

فثمة فرق كبير بين أن تشرح لي ما تؤمن به، وبين أن تدعوني إلى تذوق التجربة نفسها. وثمة فرق أكبر بين التعريف والحوار من جهة، وبين بناء الانطباع العاطفي من جهة أخرى.

هل يتعرف الزائر إلى الإسلام فعلاً؟ أم يتعرف إلى النسخة التي قرر المنظمون أن الوقت مناسب لعرضها؟

من المفارقات التي يصعب تجاهلها أن معظم هذه الفعاليات لا تزدهر إلا في الدول التي يهاجمها الإسلاميون ليل نهار.

فـ"يوم المسجد المفتوح" لم يولد في كابول، ولا في طهران، ولا في الرياض، ولا في إدلب، ولا في أي بيئة يملك فيها رجال الدين أو الإسلاميون نفوذاً واسعاً على المجال العام.

لقد ولد في لندن ومانشستر وبرمنغهام، وفي أمستردام وبرلين وستوكهولم، وفي كندا وأستراليا ونيوزيلندا.

ولد في الأماكن التي تسمح للناس بأن يختلفوا، وأن ينتقدوا، وأن يعترضوا، وأن يسخروا، وأن يغادروا الدين إذا أرادوا، وأن يناقشوا الإمام نفسه دون أن يخشوا زيارة من الشرطة الدينية أو لجنة الأمر بالمعروف أو غضب العائلة والعشيرة.

ولد هذا اليوم في المكان الذي يستطيع المسجد أن يفتح أبوابه للناس، ويوزع الكتيبات، وينظم الفعاليات، ويستقبل السياسيين والإعلاميين، ويعقد جلسات حوار الأديان، ويجمع التبرعات، ويؤسس الجمعيات، ويحتج في الشوارع، ويعترض على الحكومة، بل ويتهمها بالعنصرية أو الإسلاموفوبيا، دون أن يخشى الإغلاق أو الحظر أو الملاحقة.

بل إن المفارقة تصبح أكثر حدة عندما نتذكر أن هذه الفعاليات نفسها ما كانت لتوجد أصلاً لولا الحريات الغربية التي كثيراً ما تُتهم بالانحلال والكفر والفساد الأخلاقي.

أما في دول كثيرة خارج هذا الفضاء، فالسؤال لا يكون: كيف سننظم يوماً مفتوحاً؟ بل يسألون أنفسهم وسراً: هل يُسمح لنا أصلاً بتنظيمه؟

لا يمكننا تجاهل مفارقة بسيطة: المجتمعات التي فتحت أبوابها لهذه المبادرات هي نفسها المجتمعات التي تُقدَّم في الخطاب الإسلامي على أنها أزمة أخلاقية أو حضارية أو روحية!

ومع ذلك، فإن الحرية التي تتيح للمسجد أن يشرح نفسه للآخرين اليوم ليست نتاج الفقه الإسلامي، ولا نتاج الشريعة، ولا نتاج الحركات الإسلامية، بل نتاج النموذج الليبرالي الغربي الذي أتاح للجميع حق الكلام والتنظيم والدعوة والاعتراض في المقام الأول.

السؤال المشروع هنا: إذا كانت هذه القيم بهذه الأهمية عندما يحتاج المسلم إلى حمايتها، فلماذا تبدو أقل أهمية عندما يحتاج إليها غير المسلم أو المختلف أو المنتقد داخل المجتمعات الإسلامية نفسها؟

وأكثر ما يلفت انتباهي في صور "اليوم المفتوح" ليس من حضر.. بل من لم يحضر!

فبعد سنوات طويلة من هذه الفعاليات، تتكرر الصور نفسها تقريباً: وجوه مبتسمة، أشخاص فضوليون، متقاعدون، طلاب، نشطاء حوار الأديان، مهتمون بالثقافات المختلفة، وأناس دخلوا المكان أصلاً لأن لديهم استعداداً مسبقاً للدخول.

أما الأشخاص الذين يُفترض أن المبادرة وُجدت من أجلهم، فلا يكاد أحد يراهم.

لا ترى الرجل الذي فقد ثقته بهذا الخطاب منذ سنوات.

ولا ترى المرأة التي تحمل تجربة مريرة مع بيئة دينية محافظة.

ولا ترى من ينظر إلى الإسلام بعين الريبة بسبب ما عاشه أو رآه أو قرأه.

ولا ترى أولئك الذين تدور حولهم كل هذه الحملات أصلاً.

كأن المشهد يشبه طبيباً يقف في ساحة عامة ليعالج المرضى، ثم يكتشف أن من يقفون أمامه ليسوا المرضى، بل أشخاص أصحاء جاءوا ليستمعوا إلى محاضرة عن الصحة.

وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.. ليس: كم شخصاً حضر؟

بل: أين الأشخاص الذين قيل لنا إن هذه المبادرات جاءت لتخاطبهم؟

فقد يكون من السهل أن تشرح نفسك لمن منحك فرصة الشرح مسبقاً. وقد يكون من السهل أن تتحدث عن الحوار مع من جاء أصلاً بحثاً عن الحوار.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ عند الأشخاص الذين لا يدخلون القاعة أساساً.

الأشخاص الذين لا يريدون الحضور.

أو لا يرون فائدة من الحضور.

أو يعتقدون أن ما سيُقال لهم هناك لن يكون مختلفاً عما سمعوه من قبل.

وهؤلاء تحديداً هم الغائب الأكبر عن كل صورة جماعية تُلتقط في نهاية اليوم.

كلما قرأت عن "اليوم المفتوح" أو شاهدت تقاريره وصوره، يعود السؤال نفسه إلى ذهني:

لماذا ظهر كل هذا في تلك المرحلة تحديداً؟

ليس لأن الإسلام كان مجهولاً قبلها. وليس لأن المساجد لم تكن موجودة. وليس لأن الناس اكتشفوا فجأة أن بينهم جيراناً مسلمين. كل ذلك كان قائماً بالفعل.

لكن شيئاً آخر كان يحدث في الخلفية.

ففي تلك السنوات لم يكن الإسلام حاضراً في النقاش العام بوصفه ديناً للصلاة والصيام فقط. كان حاضراً في نشرات الأخبار، وفي النقاشات السياسية، وفي الجدل حول الاندماج والتطرف والإرهاب والهوية والهجرة. وكان يُسأل عنه بطريقة لم يُسأل بها من قبل.

في تلك اللحظة تحديداً بدأت الأبواب تُفتح على نطاق واسع، وبدأت الجولات التعريفية، وبدأت الحملات الوطنية، وبدأت الأيام المفتوحة.

فحين يشعر أي فرد أو جماعة أو مؤسسة أن صورتها أصبحت موضع شك أو مساءلة، يكون من الطبيعي أن تحاول الشرح والدفاع عن نفسها وتقديم روايتها الخاصة للأحداث.

وربما لهذا السبب تحديداً لا أستطيع أن أرى هذه الأيام المفتوحة بوصفها مجرد دعوة بريئة إلى فنجان شاي وجولة داخل مسجد.

الناس لا يحملون إلى هذه القاعات دفاتر بيضاء.. إنهم يصلون محملين بذكريات وتجارب وانطباعات تشكلت عبر سنوات طويلة; بعضهم يحمل أسئلة لم يجد لها جواباً، وبعضهم يحمل جروحاً قديمة، وبعضهم يحمل قناعة استقرت في ذهنه منذ زمن.

ولهذا يبدو لي أن الجدل الدائر حول الإسلام في الغرب أعمق بكثير من أن يُختزل في سوء فهم يحتاج إلى تصحيح، أو صورة نمطية تحتاج إلى تلطيف.

ومن هنا، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو كيف نعرّف الناس إلى الإسلام.

بل أي إسلام نقصد عندما نقول لهم: هذا هو الإسلام؟

أكتب تعليق

أحدث أقدم